حين ننظر إلى موقع الكويت في خريطة الخليج المضطربة، بسبب الحرب القائمة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، نجد للوهلة الأولى أن الدول الصغيرة في حجمها الجغرافي محكومة بتحديات ضخمة بوجودها داخل المشهد المحتدم، ويراها المحللون أنها مجرَّد مساحات تقع بين القوى الكبرى، وتتأثر بصراعاتها أكثر مما تؤثر فيها. والمشهد الإقليمي الآن حول الكويت يُوحي بهذا الشعور، لكن عندما نقرأ التاريخ السياسي للدول الصغيرة جغرافياً بهدوء، بعيداً عن الانفعال اللحظي، تُكشف لنا حقيقة مختلفة تماماً، وهي أن حجم الدولة لا يحدد دائماً قدرتها على البقاء، بل إن حُسن إدارة موقعها في شبكة المصالح الدولية قد يمنحها قدرة استثنائية على الاستمرار والتأثير.

فالدول الصغيرة جغرافياً، التي نجحت في التاريخ، لم تعتمد على القوة العسكرية الصلبة، بل اعتمدت على بناء معادلة دقيقة بين التحالفات الدولية وحماية سيادتها الداخلية. ومن هنا يمكن تحليل التجربة الكويتية في سياقٍ أوسع من مجرَّد دولةٍ خليجية ذات حجمٍ جغرافي صغير نسبياً، ومُحاطة بالتحديات الكبرى عالمياً، فهي نموذج لدولة أدركت مبكراً أن البقاء في منطقةٍ مليئة بالتوترات يتطلَّب سياسة متوازنة تقوم على الانفتاح الدبلوماسي، وبناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلال القرار الوطني. وهذه المعادلة ليست فريدة في التاريخ السياسي الكويتي، فقد نجحت مراراً في إدارة موقعها بين القوى الكبرى، فالدولة فهمت وعرفت أن الجغرافيا المحدودة ليست قدراً مغلقاً وتحدياً معيقاً، بل هي معطى جغرافي يمكن إدارته وإدارة تحدياته بحِكمة، فلا تسعى إلى الدخول في صراعات الآخرين، بل تعمل على بناء توازن يحمي استقرارها ويجعلها طرفاً يحظى بالثقة في بيئةٍ إقليمية شديدة التقلب.

ويضع المحللون مجموعة من التوصيات، في ظل ما تشهده دولتنا (الكويت) والمنطقة من توترات حادة جرَّاء هذه الحرب الإيرانية- الأميركية، منها: تعزيز الواجب المُلقى على كاهل الإدارة الحكومية بالكويت في إدارة علاقاتها الدولية بحكمة واتزان، وأن تحافظ على نهجها الدبلوماسي الهادئ، الذي جعلها دائماً طرفاً موثوقاً في بيئة إقليمية مضطربة، كما أن مسؤولية الشعب الكويتي تكمن في تعزيز التماسُك الداخلي، والابتعاد عن الشائعات وترويجها والانفعالات التي قد تُربك المشهد الوطني المتلاحم، فحين تتكامل حكمة الدولة مع وعي المجتمع، تتحوَّل الكويت من مجرَّد دولةٍ صغيرة في الجغرافيا إلى ركيزة استقرار في محيطها الشرق أوسطي.

Ad