في البداية أسأل الله تعالى أن يكتب الشهادة في سبيله لأبطالنا الذين قضوا دفاعاً عن الوطن، وأن يسكنهم الفردوس الأعلى، وأن يلحقنا بهم بإحسان وكل الصالحين من أبناء الكويت، وأن يحفظ أمتنا ويردّ كيد أعدائها.
***
نشرت وسائل التواصل ما ذكرت أنه مشروع لقانون الجنسية الجديد، ولنا على هذا المشروع - إذا صح - الملاحظات التالية:
أولاً: إن الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا المشروع هي تقسيم المواطنين الكويتيين إلى طبقتين دائمتين، الأولى هي المؤسسون الذين سكنوا الكويت قبل 1920 وأبناؤهم وأحفادهم، والثانية هي الذين حصلوا على الجنسية الكويتية بالتجنس وأبناؤهم وأحفادهم. وتتمتع الطبقة الأولى، وهي تشكّل ثلاثة أرباع الكويتيين، بحق الترشح والانتخاب لكل الهيئات النيابية والتعيين في المناصب المتعلقة بها، أما الثانية، التي تشكّل ربع الكويتيين، فلا تترشح ولا تنتخب ولا تُعيَّن في هذه المناصب.
وهذه الطبقية لم تعد موجودة بأي دولة في العالم، وهي مخالفة للدستور والشريعة الإسلامية وكذلك للمواثيق الدولية.
ثانياً: بينت المذكرة التفسيرية للمادة 82 أن إدخال أبناء المتجنسين في قانون الجنسية ضمن حالات الجنسية الأصلية هو الحكم الصحيح المعمول به في مختلف بلاد العالم، وليس يخفى أن المذكرة التفسيرية تمت قراءتها في المجلس التأسيسي فوافق عليها ورُفعت إلى الشيخ عبدالله السالم فصدّق عليها مع الدستور، لذلك فهي ملزمة بإجماع الفقه الدستوري.
ثالثاً: أكدت المادة 29 من الدستور المساواة في جميع الحقوق والواجبات.
رابعاً: ساوت الشريعة الإسلامية بين المسلمين (ما لم يكن هناك سبب شرعي في أحدهم)، فقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله» (مسلم)، وقال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» (صحيح الجامع)، وقال أيضاً: «والذي نفس محمد بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من خير» (النسائي).
ومن المعلوم أن اختيار أي شخص في الإسلام للمناصب إنما يكون وفقاً للكفاءة وليس للأصل أو الفئة أو القبيلة أو الطائفة، وقد حرمت الشريعة التفاخر على أي مسلم ولو بكلمة، فما بالك بتفاخر بعض أفراد المجتمع على غيرهم بالاستحواذ على المناصب العليا والانتخاب والترشح للهيئات النيابية؟
خامساً: علّمنا التاريخ الإسلامي أن بعض الصحابة الذين دخلوا الإسلام متأخرين أصبحوا القادة الذين فتحوا مصر وفارس والشام، وقهروا الروم والفرس، مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم، ومعلوم أيضاً أن كثيراً من أبناء غير العرب الذين دخلوا الإسلام أصبحوا من أفضل العلماء والمقدمين والفقهاء والمفكرين، لأن المسلمين لم يفرّقوا بينهم وبين أنفسهم بسبب عرقهم أو أقدمية غيرهم في الإسلام، فأصبحوا بفضل الله إخواناً وتفوقوا على جميع أمم الأرض.
سادساً: يلاحظ أي كويتي حصيف أن فئات عديدة من الكويتيين تختلف جنسياتهم مع أنهم من نفس العائلة أو القبيلة و»نسايب» وأقارب، فتجد مثلاً أن من القادمين من نجد من وصل الكويت قبل 1920 ومنهم من وصل بعد ذلك، وكذلك القادمون من برّ فارس ومن العراق وغيرهما، لذلك فالتفريق بينهم إنما هو تفريق بين أبناء نفس العائلة والأقارب والقبيلة وكل الفئات الاجتماعية والوطن بأسره.
سابعاً: لا يوجد أي مبرر لهذا التفريق مع النشاط الملموس هذه الأيام في اكتشاف المزوّرين وسحب جنسياتهم، فالمفروض ألا يبقى أي مزور أو مزدوج في البلاد، كما لا يوجد أي خوف ممن حصل على الجنسية بالطرق المشروعة، لأن قانون الجنسية يقرر سحب جنسية المتجنس إذا ثبت قضائياً أن ولاءه لغير البلاد أو ارتكب جريمة مخلّة بالشرف والأمانة، أو فُصل من عمله بسبب الإخلال بالأمانة أو انضم إلى أي تنظيم معادٍ للبلاد.
ثامناً: انضمت الكويت إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالقانون 12 لسنة 1996، وبالتالي أصبحت هذه الاتفاقية قانوناً نافذاً في البلاد، وهذا العهد الدولي ينص على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وليس من مصلحة الكويت مخالفة هذه الاتفاقية.
الخاتمة: إن جميع دول العالم المتقدمة تدمج بين مواطنيها على أساس العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون، وتحارب أي تقسيمات فئوية صغيرة أو كبيرة، وتضع قوانين رادعة على من يخالف قوانينها الوطنية، ويكون معيار التقديم والبروز فيها بمقدار الكفاءة وما يمكن أن يقدمه المواطن من خدمة للبلاد والعباد. ولا شك في أن مواجهة دولتنا الحبيبة لأي أزمات أو مصاعب مستقبلية تحتاج إلى المساواة والعدالة ورصّ الصفوف وعدم التفرقة كما كانت دائماً.
والله الموفق.