وُلد أحمد سالم يوم 20 فبراير 1910 في مدينة أبو كبير بمحافظة الشرقية (شمال شرق القاهرة)، وتنتمي عائلته إلى أصول بدوية عربية من نجد بالجزيرة العربية، وأمه زكية هانم جابر التي لم تنجب سواه، وتوفي والده الوجيه علي سالم، وترك لابنه الوحيد البالغ 14 عاما ثروة قدرها 350 فدانا، فشب على التدليل والاهتمام الزائد من والدته، وكان مغرما بركوب الخيل، ورغم ذلك أظهر نبوغا لافتا في دراسته، وحصل على البكالوريا (الثانوية العامة حاليا) من مدرسة الخديوية عام 1926. 

أحمد سالم بطلاً لأحد أفلامه

وسافر بعدها إلى بريطانيا لدراسة الهندسة المعمارية بجامعة أكسفورد، ثم درس في كامبريدج، ومن زملائه الصحافي المشهور علي أمين، وخلال دراسته الأكاديمية، تعلّم الطيران الشراعي في أسبوع واحد فقط، واشترى طائرة بـ 2000 جنيه إسترليني، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت، وقادها من إنكلترا إلى القاهرة في مغامرة غير مأمونة العواقب، وحصل الشاب المصري على لقب أول طيار في العالم يعبر البحر الأبيض المتوسط بطائرته من أوروبا حتى مصر، وذلك في عام 1931.

Ad

الشكمان الفضي

وسمع الملك فؤاد الأول بحكاية الطيار المصري، ولجرأته وتفوقه أهداه نيشانا ذهبيا، وعرض عليه ثمن الطائرة، لكن سالم رفض وشكره، وقال له: «أفضل أن تكون طائرتي ملكا خالصا لي»، وبعد هذا التكريم الملكي عمل مهندسا للطيران في إحدى شركات عبود باشا لمدة عام ونصف، ووقتها اشترى سيارة «شكمانها» من الفضة الخالصة، وترددت أقاويل بأن هذا الأمر أثار غيرة صديقه الملك فاروق، لأن تلك السيارة لم يملك مثلها سوى القائد الألماني أدولف هتلر.

المتمرد والسينما

وبعد عام ونصف ترك سالم وظيفته في شركات عبود، رغم أن الجميع شهد له بالنجاح الكبير كمهندس، وقادته روحه المتمردة إلى مجال آخر، وفي 31 مايو 1934 أنشئت الإذاعة المصرية الحكومية، وعمل مذيعا ومديرا للقسم العربي بها، وكان أول من نطق جملة «هنا القاهرة» التي لا تزال تُسمع حتى اليوم.

واستمر سالم في الإذاعة، وذات يوم حضر إلى حفل أقامه طلعت حرب باشا بمناسبة نجاح شركات بنك مصر، وأعجب بذكاء المذيع الشاب، وطلب منه أن يتفرغ لإنشاء شركة مصر للتمثيل والسينما وبناء استديو كبير يكون مصريا خالصا، وبالفعل قدم استقالته وتفرغ لتشييد صرح السينما المصرية على أحدث طراز عالمي، وتولى عملية توظيف الفنيين الأجانب والمصريين.

ملصق فيلم «دموع الفرح»

وكان باكورة إنتاج «استديو مصر» فيلم «وداد» (1936) تأليف أحمد رامي وإخراج أحمد بدرخان، وبطولة أم كلثوم وأحمد علام وفتوح نشاطي ومنسي فهمي، ويعد أول فيلم مصري يشارك في فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، وبعدها أنتج العديد من الأفلام الناجحة.

واكتشف سالم الكثير من المواهب المصرية في عناصر العمل السينمائي، منهم المخرج محمد كريم ونيازي مصطفى، وبعد ذلك الإنجاز، وثِق طلعت حرب في كفاءة هذا الشاب المتفاني، فأسند إليه بجوار عمله في «استديو مصر» منصب المدير العام للقسم الهندسي لشركات بنك مصر والمدير العام لمطبعة مصر.

أزمة فيلم

وساهم سالم في طرح أفكار سينمائية جريئة، منها فكرة «لاشين» واستوحاها من روايات الكاتب الألماني هاينريش مان، المعروف بتناوله للقضايا الاجتماعية، وانتقاده للنازية، وعهد مدير «استديو مصر» بكتابة السيناريو والحوار إلى أحمد بدرخان وأحمد رامي، والإخراج للألماني فريتز كرامب، وأنتج الفيلم عام 1938، وأثار ضجة كبرى، واستياء القصر الملكي، لأنه يدور حول ثورة الشعب ضد الحاكم المستبد، وطلب جهاز الرقابة من أحمد سالم تعديل المشاهد الأخيرة لمصلحة الحاكم، في إطار أنه لم يكن يعلم ما يدور ضد الرعية، لكن سالم رفض بحزم وقدم استقالته من جميع المناصب.

سالم ومديحة يسري في ملصق فيلم «رجل المستقبل»

وظل «لاشين» ممنوعا من العرض لسنوات طويلة، كأول فيلم مصري يصطدم بالرقابة، ويتنبأ بقيام ثورة يوليو عام 1952، والمفارقة أن الممثل حسن عزت، الذي قام بدور البطولة، اختفى تماما من الساحة السينمائية، وهاجر من مصر، وعمل في بعض الأفلام الأميركية، ورحل عام 2005، وعمره يتجاوز الثمانين.

المخرج السجين

وبعد استقالة سالم، كوّن شركة أفلام باسم «نفرتيتي»، واستأجر لها مقرا في شارع أبوالسباع (جواد حسني حاليا) بالقاهرة، وغامر بتكوين فريق عمل من الفنانين والفنيين الشباب، وأقدم على إنتاج فيلمه الأول «أجنحة الصحراء»، وكتب السيناريو والحوار، وقام بالإخراج وشارك في بطولة الفيلم مع الوجوه الجديدة ـ آنذاك ـ راقية إبراهيم وأنور وجدي وحسين صدقي ومحسن سرحان، وعُرِض في أول أكتوبر 1939 بسينما ديانا بالاس، ويحتل الفيلم رقم 95 في تسلسل الأفلام الروائية المصرية.

واستعاد سالم في هذا الفيلم عشقه للطيران، ودارت أحداثه حول طيار شاب يحلم دائما بمستقبل باهر، ويحترس من مصير صديقه المستهتر الذي فقد مستقبله، ويبتعد الطيار الطموح عن إغراءات الحياة المرفهة، ويحلق بطائرته بعيدا عن الأرض.

واكتنف الغموض حياة الشاب المتمرد، وابتعاده المفاجئ عن السينما بعد «أجنحة الصحراء»، واتجاهه لأعمال تجارية كبرى، وأثار الجدل حول تورطه في توريد خوذات غير صالحة للجيش الإنكليزي، وتم تحويله للتحقيق، وحُكم عليه بالسجن، وأحدثت الاتهامات ضجة في الأوساط الفنية والسياسية، وأثارت الرأي العام ضد المخرج السينمائي، وسُميت «قضية الخوذات»، وتردد أن سالم قدم بلاغا في نفسه بعد اكتشافه عدم صلاحيتها، ورفض كل المحاولات لتبرئته من تلك التهمة.

رجل المستقبل

وبعد انقطاع دام 7 سنوات، استأنف أحمد سالم نشاطه السينمائي، وكتب قصة فيلم «رجل المستقبل» (1946) من إخراجه، وشارك في بطولته مع مديحة يسري وهاجر حمدي وبشارة واكيم، وفي العام نفسه تخلى عن الإخراج، واكتفى بإنتاج وبطولة «دنيا» للمخرج محمد كريم، وعُرض الفيلم في مهرجان كان السينمائي.

واستعاد سالم مهامه كمنتج ومخرج وبطل «الماضي المجهول» ويعد من أشهر أفلامه، ويدور حول شخص يتعرض لحادث ويفقد الذاكرة، وتحاول أسرته الاستيلاء على ثروته، وتقع مفاجأة تغيِّر مجرى الأحداث، وعُرض الفيلم لأول مرة في 8 أبريل 1946، وحقق نجاحا جماهيريا كبيرا، وأشاد به النقاد.

وشهدت كواليس «الماضي المجهول» بعض المواقف المثيرة، وبدأت باقتباس سالم الفكرة من دراسات علمية لطبيب الأعصاب الفرنسي جان مارتن شاركو (1825- 1893)، وكتب القصة والسيناريو بديع خيري، وأثناء التصوير أشرف على تنفيذ الناحية الطبية بالفيلم فريق من الأطباء المصريين.

واستقر سالم على اختيار المطربة ليلى مراد لتشاركه البطولة، وكانت في قمة نجوميتها، واستطاع بصعوبة أن يجعلها توقع على عقد الفيلم، رغم محاولات زوجها ـ آنذاك ـ الفنان أنور وجدي أن يعرقل مهمته، حتى لا يفقد احتكاره الفني لها، وقال له إن أجرها 15 ألف جنيه، وبعد أن ظفر سالم بالعقد تفجرت مشادة عنيفة بين وجدي وقيثارة الغناء، كادت تنتهي بالطلاق، وتوسط الفنان محمد فوزي للصلح بينهما.

وتوالت رحلة أحمد سالم القصيرة في السينما، وشاء القدر أن يرحل إثر عملية جراحية فاشلة في الرئة، قبل أن يكمل إخراج وبطولة فيلمه الأخير «دموع الفرح» فاستعان مساعد المخرج فطين عبدالوهاب بدوبلير ليؤدي شخصية سالم في المشاهد المتبقية، وعرض الفيلم في أول يناير 1950، وصدم «الدونجوان الجريح» جمهوره برحيله المفاجئ، وكتبت الصحف تقول: «مات شابّاً، عاش يتحدى الموت، ومات وهو يتحداه».حكاية سالم وزوجته المطربة أسمهان تنتهي برصاصة طائشةترددت أقاويل كثيرة حول زيجات الفنان الراحل أحمد سالم، وبدأت في الثانية والعشرين من عمره بزواجه من خيرية هانم البكري، حفيدة محمد محمود باشا، وأنجب منها ابنته الوحيدة نهاد، وحدث الانفصال بينهما بعد 3 سنوات، ثم تزوج من سيدة المجتمع أمينة هانم البارودي، حفيدة شاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي، ودبت الخلافات بينهما، وتركت منزل الزوجية بضاحية الزمالك، وأصرت على الطلاق.وتزوج سالم من الفنانة تحية كاريوكا، وهي ثالث زوجاته، وأحبته بجنون، وبعد زواجهما سافرا ذات يوم إلى فلسطين قبل نكبة 1948 وقيام إسرائيل، وهناك انقلبت حياتهما رأسا على عقب، إثر تردد شائعات قوية عن علاقة عاطفية تجمع سالم بالمطربة أسمهان، بعدها طلبت كاريوكا الطلاق، وانفصلت عنه قبل عودتها للقاهرة.وتأكدت الشائعات بزواجه من المطربة أسمهان، وسرعان ما دبت الخلافات بينهما، لغيرته الزائدة عليها، وذات ليلة عادت متأخرة، واحتدم النقاش بينهما، وأشهر مسدسه في وجهها، وفرت هاربة إلى منزل إحدى صديقاتها، واتصلت باللواء سلیم زكي، حكمدار بولیس القاھرة آنذاك، وكانت صديقة لأسرته، وأبلغته بما حدث وطلبت منه أن يحمیها.وأوفد اللواء زكي، الأمیرالاي إمام إبراھیم، وهناك حاول الأخير أن يهدئ من ثورة سالم، وفي لحظة مباغتة انقض عليه، محاولا الإمساك بالمسدس، فانطلقت رصاصة أصابت الأمیرالاي، وأعقبتها   رصاصة أخرى دخلت في صدر سالم، واستقرت في إحدى رئتیه، ونُقل الاثنان إلى المستشفى، ووضع المتهم الجريح تحت الحراسة، بتهمة إطلاق الرصاص على الأمیرالاي إبراھیم، ومقاومته أثناء القیام بواجبه. واستطاع الأطباء إنقاذ حياته، وتماثل للشفاء، وحالفه الحظ أن الاميرالاي المصاب خرج من المستشفى سالما، وبعد أن قضى فترة عقوبته، عاد ليمارس حياته الطبيعية، وظلت آثار الإصابة تؤلمه، وفي عام 1949 دخل المستشفى لإجراء عملية، لكنها فشلت، ورحل دون أن يكمل تصوير فيلمه الأخير «دموع الفرح».