لكي نفكر بوضوح في حروب الشرق الأوسط، علينا أن نحمل أكثر من فكرة في رؤوسنا في الوقت نفسه. إنها منطقة معقدة، يتداخل فيها الدين والنفط والسياسة القبلية وسياسات القوى الكبرى في كل قصة كبرى. وإذا كنت تبحث عن رواية بالأبيض والأسود، فربما عليك أن تمارس لعبة الداما. 

هذه أربعة أفكار حول إيران، على الأقل اليوم.

أولاً: آمل أن تنجح الجهود لإسقاط النظام الديني في طهران، إنه نظام يقتل شعبه، ويزعزع استقرار جيرانه، وبدّد حضارة عظيمة. لا حدث واحد يمكن أن يدفع الشرق الأوسط نحو مسار أكثر لياقة وشمولاً من استبدال النظام الإسلامي في طهران بقيادة تركز حصراً على تمكين الإيرانيين من تحقيق كل إمكاناتهم ومنحهم صوتاً حقيقياً في تقرير مستقبلهم.

Ad

ثانياً: لن يكون ذلك سهلاً. فهذا النظام متجذر بعمق، ومن غير المرجح أن يُسقط من الجو وحده. إسرائيل لم تتمكن من القضاء على حركة حماس بعد أكثر من عامين من حرب جوية وبرية ضارية، و«حماس» على حدودها. وحتى لو لم يؤدِّ الهجوم الأميركي–الإسرائيلي إلى الانتفاضة الشعبية التي دعا إليها ترامب، فقد ينتج آثاراً غير متوقعة ومفيدة، كولادة «جمهورية إسلامية 2.0» أقل تهديداً لشعبها وجيرانها. لكنه قد يقود أيضاً إلى مخاطر غير محسوبة، مثل تفكك إيران كوحدة جغرافية واحدة.

ثالثاً: توقيت نهاية الحرب سيتحدد بقدر ما يتحدد بسوق النفط والمال، كما بسير المعارك داخل إيران، التي أصبحت على حافة الانهيار الاقتصادي، وعملتها لا تكاد تساوي شيئاً. 

وأوروبا أصبحت أكثر اعتماداً على غاز الخليج بعد تقليص وارداتها من روسيا، وأي موجة تضخم ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة ستغضب قاعدة ترامب، التي لا تحبذ الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط. كثيرون يريدون حرباً قصيرة، وهذا سيؤثر في كيفية وتوقيت التفاوض بين واشنطن وطهران.

رابعاً: يجب ألا تسمح لنا هذه الحرب — المفترض أنها لجلب الديموقراطية وسيادة القانون إلى إيران — بأن نغفل التهديدات التي تواجه الديموقراطية وسيادة القانون في أميركا على يد ترامب، وفي إسرائيل على يد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. فإذا مكّنت الحرب نتنياهو من الفوز في الانتخابات المقبلة، فقد تمنحه زخماً لضم الضفة الغربية، وإضعاف المحكمة العليا، وتحويل إسرائيل إلى دولة فصل عنصري، ما سيكون ضربة كبيرة للمصالح الأميركية في المنطقة.

وكانت الحياة أسهل لو أن كل حرب تشبه الحرب الأهلية الأميركية وكل قائد يشبه لينكولن. لكنها ليست كذلك.

منذ 1979، كانت الجمهورية الإسلامية أكبر قوة إمبريالية في المنطقة، تزرع وكلاء في سورية ولبنان والعراق واليمن، وتقوض الإصلاحيين عبر تأجيج الانقسامات الطائفية. مجرد إضعاف نظام طهران خلال العامين الماضيين أسهم في سقوط نظام الأسد، ومكّن لبنان من الإفلات من قبضة «حزب الله»، ما أتاح مساحة لحكومة أكثر لياقة. لذلك يُحتفل بوفاة المرشد الأعلى علي خامنئي في أنحاء المنطقة.

الشعب الإيراني من أكثر شعوب المنطقة ميلاً طبيعياً إلى الغرب. وإذا سُمح لهذا الميل أن يطفو، ليحل محل السمّ الإسلاموي الراديكالي، فقد نشهد شرقاً أوسط أكثر اندماجاً. لم يكن شعار المحتجين «لا غزة، لا لبنان... روحي فداء إيران» عابراً. كثير من الإيرانيين سئموا رؤية مواردهم تُهدر على ميليشيات تقاتل إسرائيل. واستهداف إيران لبنية دول الخليج المنفتحة كان، كما قيل، هجوماً من الشرق الأوسط القديم على الشرق الأوسط الجديد.

موت خامنئي قد يكون أيضاً نهاية اللعبة المزدوجة التي مارسها والصراخ «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل» ثم المطالبة بأن تُعامل إيران مثل الدنمارك أو تخصيب اليورانيوم لأغراض «سلمية». ترامب ونتنياهو قررا كشف تلك اللعبة.

أما فكرة توحد الإيرانيين سريعاً لإسقاط النظام، فمن الصعب تصورها من دون قيادة واضحة وأجندة مشتركة. السيناريو الأرجح هو «جمهورية إسلامية 2.0» يقود فيها إصلاحيون مثل حسن روحاني أو محمد جواد ظريف مفاوضات مع ترامب: التخلي عن البرنامج النووي وقبول قيود على الحروب بالوكالة والصواريخ مقابل رفع العقوبات وبقاء النظام. قد يفتح ذلك الباب لاحقاً لانتقال حقيقي. لكنه قد يُتهم أيضاً بأنه طوق نجاة لنظام قتل آلاف المحتجين. بدء الحرب كان سهلاً نسبياً، أما إنهاؤها فلن يكون كذلك.

في الشرق الأوسط، نقيض الاستبداد ليس دائماً الديموقراطية، بل الفوضى. حين تُقطع رؤوس الأنظمة، إما أن تنهار كما ليبيا، أو تنفجر كما سورية. الفرس نحو 60 في المئة من السكان، والبقية فسيفساء من الأذريين والأكراد والبلوش والعرب، لكل امتدادات خارج الحدود. فوضى مطولة قد تدفع بعضهم إلى الانفصال، فتتفكك إيران.

إذا أردت نفطاً عند 150 دولاراً للبرميل، فإن تفككاً كهذا سيقودك إليه. صادرات إيران قد تختفي من السوق، ومضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس تجارة النفط العالمية قد يُغلق.

من المبكر جداً توقع أثر الحرب على انتخابات 2026 في إسرائيل والولايات المتحدة. ترامب لا يريد أن يرى كلمة «مستنقع» في عنوان يحمل اسمه قبل انتخابات منتصف الولاية. ونتنياهو قد يسعى لاستثمار سقوط إيران سياسياً، لكنه لم يحوّل انتصاراته العسكرية القصيرة الأمد إلى مكاسب دبلوماسية طويلة الأمد. فأي اختراق حقيقي يتطلب العودة إلى مسار تفاوضي على أساس حل الدولتين.

الفرصة قد تكون هائلة إذا سقطت الجمهورية الإسلامية أو جُرِّدت من أنيابها. لكن كل شيء ونقيضه ممكن في هذه اللحظة الأكثر سيولة في الشرق الأوسط منذ 1979.