تعد جريمة العدوان من أخطر الجرائم التي يعاقب عليها القانون الجنائي الدولي، ليس فقط لخطورة آثارها المباشرة، بل لكونها تمثل المدخل الطبيعي لارتكاب باقي الجرائم الدولية الكبرى، كجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية.ووصف قاضي محاكمات نورمبرغ روبرت جاكسون (1892-1954) جريمة العدوان بأنها «الجريمة الدولية العليا»، لأنها تحتوي في طياتها كل الشرور الأخرى التي ترافق الحروب.ورغم وضوح الطبيعة الإجرامية للعدوان منذ محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية فإن هذه الجريمة ظلت لسنوات طويلة خارج نطاق التطبيق الفعلي، بسبب إشكاليات سياسية وقانونية معقدة، تتعلق بتعريفها، وتحديد المسؤولية عنها، وآلية مساءلة مرتكبيها، خصوصا من قادة الدول.وقد حاول المجتمع الدولي وضع تعريف للعدوان من وقت عصبة الأمم المتحدة إلا أنه لم يوفق في تلك المحاولات الجادة إلى أن توصل أخيرا إلى تحديد إطارها القانوني في منظومة القانون الجنائي الدولي، وعليه سنتطرق إلى الإطار القانوني لجريمة العدوان وفق آخر ما توصل إليه المجتمع الدولي في هذا الشأن، كما سنتطرق إلى مدى قيام النظام الإيراني بارتكاب جريمة العدوان في حق دول الخليج العربي من عدمه؟ كما سنبين حالة الدفاع الشرعي ومدى تحقيقها وفي جانب من تتحقق؟أولا: الإطار القانوني لجريمة العدوان (في القانون الدولي العام والقانون الجنائي الدولي)1) في ميثاق الأمم المتحدة 1945تنص المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة على أنه «يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولي عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة».وقد فسرت الجمعية العامة هذا النص في القرار رقم 3314 لسنة 1974، الذي عرّف «العدوان» بأنه «استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، بطريقة تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة».2) في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (لعام 1998)أُدرجت جريمة العدوان ضمن الجرائم الدولية الأربع في المادة (5) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، إلا أن تطبيقها أُجّل حتى اعتماد تعريفها في مؤتمر كمبالا بأوغندا عام 2010. وقد تم اعتماد تعريف جريمة العدوان في المادة (8 مكرراً) من النظام الأساسي بعد التعديل، على النحو التالي:«تخطيط أو إعداد أو بدء أو تنفيذ من قبل شخص في موقع يمكنه من توجيه أو السيطرة على العمل السياسي أو العسكري لدولة، لعمل عدواني يشكل، بحكم طبيعته أو خطورته أو حجمه، انتهاكا بينا لميثاق الأمم المتحدة».وفي 14 ديسمبر 2017 صوّتت جمعية الدول الأطراف على تفعيل اختصاص المحكمة بشأن جريمة العدوان، ودخل التفعيل حيز النفاذ في 17 يوليو 2018.وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ليست أطرافا في نظام روما الأساسي، وكذلك دول مجلس التعاون الخليجي، وأن الدولة الوحيدة في المنطقة المنضمة للميثاق هي الأردن.ثانيًا: هل يعد استهداف دول الخليج العربي جريمة عدوان؟للإجابة على هذا التساؤل، لا بد من الوقوف على أركان جريمة العدوان، ومدى انطباقها على الأفعال المرتكبة بحق سيادة دول الخليج العربي.1) أركان جريمة العدوان:أ) الركن المادي (الأعمال العدائية):يقوم الركن المادي على أي عمل عدواني يشكل، بحكم طبيعته أو خطورته أو حجمه، انتهاكا بيّنا لميثاق الأمم المتحدة.والركن المادي في هذه الجريمة الدولية يشبه الركن المادي في الجرائم العادية من حيث انه نشاط إجرامي أو سلوك يظهر بمظهر خارجي يعبر عن فعل ونتيجة وعلاقة سببية بينهما، ويشمل ذلك كل استخدام مباشر للقوة العسكرية أو الأعمال العدائية ضد دولة ذات سيادة، ومن أهم صوره:- الاحتلال الكلي أو الجزئي.- الهجمات العسكرية بمختلف أنواعها (القصف المدفعي، الهجوم البري).- القصف الصاروخي أو الغارات الجوية، سواء بالطائرات التقليدية أو المسيّرات.- الحصار البحري، واستهداف الموانئ والمنصات البحرية والسفن.- الاعتداءات الحديثة كالهجمات السيبرانية إذا بلغت حداً يهدد سيادة الدول.وعليه، فإذا قامت دولة — أياً كانت — كإيران مثلاً، بتوجيه ضربات صاروخية مباشرة أو هجمات بطائرات مسيّرة إلى أراضي دولة أخرى ذات سيادة، كما هو الحال اليوم بالنسبة لدول الخليج العربي، واستهدفت منشآت حيوية فيها (مطارات، موانئ، منشآت وناقلات نفطية، بنية تحتية مدنية)، سواء عبر قواتها النظامية أو عبر جماعات مسلحة تعمل بتوجيه أو سيطرة فعلية منها، فإن ذلك يدخل — من حيث الأصل — ضمن مفهوم «استخدام غير مشروع للقوة المسلحة».كما أن استخدام جماعات مسلحة تعمل بتوجيه أو سيطرة فعلية من دولة ما، إذا قامت بعمليات عسكرية عدائية ضد دولة خليجية، يمكن أن يُنسب قانوناً إلى الدولة الداعمة وفق قواعد المسؤولية الدولية.ولا يكفي مجرد حادث حدودي محدود أو اشتباك عرضي، بل يجب أن يكون الفعل، بحكم طبيعته أو خطورته أو حجمه، انتهاكاً واضحاً وجسيماً لميثاق الأمم المتحدة. فالهجوم واسع النطاق، أو المتكرر، أو الذي يستهدف سيادة دولة ما أو سلامة أراضيها، هو الذي يتحقق به هذا الركن.ب) الركن المعنوي (القصد الجنائي):يتحقق الركن المعنوي إذا كان الفعل مخططاً له، وغير عرضي، وكان الهدف منه تحقيق مكسب سياسي أو عسكري عبر استخدام القوة.وفي هذه الحالة يمكن استظهار القصد الجنائي اللازم لقيام الجريمة.2) تحقق الجريمة بركنيها:لما كانت الهجمات الأخيرة على دول الخليج العربي قد تمت بشكل مخطط له، وفي نطاق واسع ومتكرر، فإن هذه الأفعال تندرج بلا أدنى شك ضمن المادة (3) من القرار الأممي رقم 3314 لسنة 1974، ومن ثم يعتبر الهجوم الصاروخي وغارات المسيرات -ما لم يكن دفاعاً شرعيا- من أشكال العدوان المجرم دولياً.ثالثاً: ما هي حالات الدفاع الشرعي؟تنص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة على حق الدول في الدفاع الشرعي إذا وقع عليها «هجوم مسلح».وهنا يثور التساؤل: هل يعد الهجوم الإيراني رداً على هجوم مسلح سابق دفاعاً شرعياً؟ وهل يبيح لها ذلك استهداف دول لم تستهدفها ولم تعتد عليها؟ وهل يتوافر في ردود فعلها مبدأي الضرورة العسكرية والتناسب؟ أم أن ما اقترفته من استخدام ابتدائي للقوة خارج إطار الدفاع المشروع؟للإجابة على هذه التساؤلات نقول إنه إذا لم تتوافر حالة الدفاع الشرعي وفق ضوابطها المعترف بها في القانون الدولي (وجود هجوم مسلح فعلي، ضرورة ملجئة وفق مبدأ الضرورة، وتناسب الرد مع الاعتداء وفق مبدأ التناسب)، فإن استخدام القوة يعد عدوانا.أما إذا ثبت أن الفعل كان دفاعاً مشروعاً حقيقياً ومستوفياً للشروط، فلا يُصنّف كعدوان.ويذهب الفقه الدولي الغالب إلى أن الرد العسكري الواسع وغير المتناسب لا يندرج ضمن مفهوم «الدفاع الشرعي». وإذا ما طبقنا هذه الضوابط على الواقع الحقيقي نجد جريمة العدوان ارتكبها النظام الإيراني في حق دول الخليج العربي التي لم تكن طرفاً في الاعتداء عليه، ومن ثم لا يمكن له التذرع أبداً بحالة الدفاع الشرعي، بل إن من حق دول الخليج الدفاع عن نفسها لتحقق حالة الدفاع الشرعي في جانبها وفقاً لنص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. الإشكالية السياسية في التعامل مع هذه الجريمة الدولية:رغم أن القانون الجنائي الدولي يجرّم العدوان، وأصبح -أخيرا- جريمة واضحة المعالم، إلا أن رد الفعل الدولي لا يزال في جوهره سياسياً، ولم يتخذ — حتى يومنا هذا — طابعاً قانونياً ملزماً.وهذا يعيد إلى الواجهة الإشكالية المستمرة في القانون الدولي العام: غياب الإرادة السياسية لمساءلة الدول القوية، وتسييس مبدأ العدالة الدولية.فإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لإعمال القانون بمساواة، فإن منطق القوة سيستمر في تقويض مشروعية النظام القانوني الدولي.إن سيادة القانون تبدأ حين تُحاسب الدول، لا حين تُستثنى، وقد نسب إلى مونتسكيو (1689-1755) أنه قال إن القانون يجب أن يكون كالموت، لا يستثني أحداً.وفي حال تطورت النزاعات الدولية وتوسعت دائرتها، فقد نكون أمام انهيار كامل لمنظومة الأمم المتحدة — وليس تحييد مجلس الأمن فقط — بما قد يضع العالم على أعتاب حرب كونية جديدة.وإذا كانت هناك حياة بعد ذلك، فعلى البشرية أن تستحضر ما ورد في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة: «نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف...».إن جريمة العدوان تمثل التهديد الأكبر لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فهي تعني استخدام القوة بدلاً من القانون، والغلبة بدلاً من الحق، والدمار بدلاً من السلم.ورغم التقدم الملموس في تقنين هذه الجريمة وتعريفها ضمن نظام روما الأساسي، وتفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأنها، لا تزال الفجوة قائمة بين الإطار المعياري والتطبيق العملي.وقد عبر الفقيه النمساوي هانز كلسن (1881-1973) عن هذه الإشكالية بقوله: «إن القانون الدولي لن يكتسب صفته الحقيقية كقانون إلا إذا اقترنت قواعده بضمانات فعّالة لتطبيقها».فالمشكلة لم تعد في غياب النص أو غموض التعريف، بل في ضعف آليات الإنفاذ، وتردد المجتمع الدولي في إعمال قواعده على نحو مجرد من الاعتبارات السياسية.إن سيادة القانون دولياً لا تعني إعلان المبادئ فحسب، بل تفعيلها بصورة متسقة وعادلة. وإذا كان ميثاق الأمم المتحدة قد افتتح ديباجته بالعزم على إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب، فإن هذا الالتزام يظل وعداً معلقاً ما لم تُحط جريمة العدوان بردع حقيقي ومساءلة جادة.إن المسؤولية عن ارتكاب جريمة العدوان تقع على أعلى هرم القيادة السياسية والعسكرية، ممن يتمتعون بالسلطة الفعلية على توجيه السياسة العسكرية للدولة، وعلى الأخص الحكومة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وقادة الجيش.وعليه، فإن ما يُرتكب في حق دول الخليج العربي — متى ثبتت أركانه وشروطه القانونية — يشكل في مفهوم القانون الدولي العام والقانون الجنائي الدولي جرائم عدوان في حق هذه الدول، ولا يمكن للطرف المنتهك التذرع بحالة الدفاع الشرعي إذا لم تتوافر شروطها الصارمة.كما يجب التأكيد على أن جريمة العدوان، كغيرها من الجرائم الدولية، لا تسقط بالتقادم، وأنها — بخلاف ما كان عليه الوضع سابقاً — أصبحت معاقباً عليها في بعض القوانين الوطنية.وفي دولة الكويت، تعد جريمة العدوان معاقباً عليها بموجب قانون الجرائم الدولية الصادر بالمرسوم بقانون رقم 156 لسنة 2025، والذي سنتناول أحكامه في مقال لاحق نُسلّط فيه الضوء على ما تضمّنه من جرائم وعقوبات.
Ad