صباح السبت استيقظت دول الخليج على مشهدٍ لم يكن معتاداً لأهلها، صواريخ تعبر السماء، وصافرات إنذار تعلن ضربات متبادلة بين أميركا وإيران، ليتسع نطاق التوتر، ويطول محيط الخليج.
وسط هذا المشهد المتشابك، لم يكن التحدي عسكرياً فقط، بل كان نفسياً وسياسياً أيضاً. ومع أولى ساعات التصعيد، جاء الموقف السعودي واضحاً، بإرساء معادلة مؤكدة «أمن دول الخليج واحد»، وأي تهديد لأي منها لا يُقرأ بمعزلٍ عن بقية العواصم. لم يكن ذلك بياناً فحسب، بل كان تحرُّكاً يعكس مسؤولية المملكة كشقيقةٍ كبرى وعمود خيمة في المنظومة الخليجية.
وما إن أُعلنت هذه الرسالة، حتى بدا الالتفاف الخليجي حولها سريعاً، إذ صدرت المواقف من بقية العواصم متناغمة في مضمونها وتوقيتها، مؤكدة أن الخليج لا يتعامل مع التصعيد بردود فعلٍ منفردة، بل بمنطق الشراكة الكاملة.
بدأت الضربات تستهدف دول الخليج، وتم اعتراض عددٍ كبير منها خلال وقتٍ قصير، كنتيجة استثمار لسنوات في أنظمة الإنذار المبكِّر والدفاع الجوي والتكامل العملياتي بين الأجهزة المختصة. وإذا ما حاولنا استخدام الأرقام فقط، فللعلم إن تكلفة اعتراض هدف واحد قد تصل إلى نحو عشرة ملايين دولار تقريباً، وفق المنظومة المستخدمة، لكن الرسالة التي تعكسها هذه الأرقام أبعد وأعمق، وهي أن الإنسان الخليجي غالٍ عند بلاده، وحمايته مهما بلغت الكُلفة مستحقة.
حقيقة إن النجاح في الاعتراض لم يكن مجرَّد إسقاط صواريخ، بل هو منع حالة الهلع التي يمكن أن تعصف بالمدن، فالتصعيد في مثل هذه اللحظات لا يستهدف البنية العسكرية فقط، بل يحاول زعزعة الروح المعنوية وشق الصفوف، وحين تفشل هذه المحاولة، لا يكون الردع قد أدى مهمته فحسب، بل تكون الوحدة أثبتت صلابتها أيضاً.
ثمة جانب مشرق آخر ظهر في هذه الأزمة قلما تراه بين الدول، وهو المشهد الشعبي، الذي كان أكثر عمقاً وإنسانياً على الصعيدين الرقمي والواقعي. ففي الفضاء الرقمي، ظهرت محاولات لبث القلق والتشكيك، لكن الوعي الخليجي كان حاضراً وناضجاً، فالحسابات المضللة كُشفت، والشائعات تم احتواؤها، ولم يتحقق الرهان على إرباك الداخل.
والأجمل أن التضامن لم يبقَ في مستوى الشعارات بتلك الساعات، لم يكن الكويتي كويتياً فقط، ولا القطري قطرياً فقط، ولا الإماراتي إماراتياً فقط، كان الكويتي قطرياً، والإماراتي بحرينياً، والسعودي عُمانياً. انتشرت عبارات، مثل: «بيوتنا مفتوحة»، و«احنا أهلكم» في كل اتجاه، ولم تكن كلمات عابرة، بل رسائل طمأنة حقيقية لأي خليجي تعطَّلت رحلته أو تعثَّرت عودته، فالأبواب فُتحت قبل أن تُطلب، والمساعدة عُرضت قبل أن تُستدعى. هذا النوع من التكاتف لا يُصنع ببيانٍ رسمي، بل بثقافةٍ متجذرة، ومصيرٍ واحد، وروابط مشتركة.
إن الأزمات لا تصنع الروابط، لكنها تختبرها، وما أثبتته تلك الساعات أن الوحدة الخليجية لم تكن شعاراً يُرفع في البيانات أو أغنية لطالما ردَّدناها، بل كانت واقعاً صمد حين جاء الاختبار الحقيقي.
ستمضي هذه الجولة من التصعيدات- بإذن الله، لكن ما سيبقى هو حقيقة واحدة «أن الخليج حين يُختبر، لا يقف متفرقاً»، ومَنْ راهن على تفكيك الخليج في لحظة التصعيد، اكتشف أن وحدته أصلب من أن تُكسر.
حفظ الله خليجنا، قيادةً، وشعباً، وأدام عليه نعمة الأمن والوحدة والأخوة.
* يُنشر بالتزامن مع صحيفتَي سبق
السعودية والشرق القطرية