لم أُفاجأ بكلام مايك هاكابي بقوله إن إسرائيل من نهر النيل إلى الفرات، وإن الرب أعطاها، من خلال إبراهيم، لشعب اختاره، وبالتالي لا مانع أن تضع يدها على المنطقة كلها.
فهذا خطاب مزيف، وادعاءات مضللة تعلَّمها وتشرَّبها من كونه رجل دين يتبع الكنيسة البروتستانتية ذات التوجهات الصهيونية المسيحية المحافظة.
زادها تعقيداً كونه أفصح عنها من موقعه كسفير، وكان «وقحاً وصريحاً»، مثل معظم السفراء الذين يجوبون العالم اليوم كممثلين للرئيس «العظيم ترامب» لحل النزاعات، كما الحروب أيضاً.
وجدتُ في كتاب أحمد سوسة، وهو يهودي عربي من العراق، (ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق)، الرد العلمي الحاسم الذي استعنت به، وهو من الأوائل الذين تناولوا التاريخ اليهودي بالقراءة والنقد والتمحيص، فماذا قال أحمد سوسة عن الأكاذيب الخمسة؟ الكذبة الأولى: ادعاء اليهود، خلافاً للواقع التاريخي، أن العراق وطنهم الأصلي، لأنهم هاجروا مع إبراهيم الخليل من العراق إلى فلسطين قبل 4000 سنة قبل الميلاد، في حين أن اليهود ظهروا في العراق لأول مرة في عهد الآشوريين بصفة أسرى أواخر القرن الثامن قبل الميلاد، أي بعد عصر إبراهيم الخليل بـ 1200 سنة، لأن إبراهيم الخليل ظهر في القرن 19 قبل الميلاد.
الكذبة الثانية: ترديدهم أن أرض فلسطين ملك اليهود عبر التاريخ منحها لهم الرب في الكتاب المقدَّس، في حين أن أرض فلسطين، وباعتراف التوراة، كانت أرض غربة بالنسبة إلى آل إبراهيم وآل إسحاق وآل يعقوب، إذ كانوا مغتربين في أرض فلسطين بين الكنعانيين سكانها الأصليين، فيما التوراة تتحدَّث عنهم بصفتهم غرباء وافدين طارئين على فلسطين، وهناك دلائل على أن وطن بني إسرائيل الأصلي لم يكن فلسطين، بل منطقة حران الآرامية، وأن جميع الإخوة الاثني عشر الذين ذكرهم في التوراة وُلدوا ونشأوا خارج فلسطين.
الكذبة الثالثة: ادعاءهم أن شبه جزيرة العرب وطن اليهود، ومنها ذهبوا إلى فلسطين ففتحوها. والثابت تاريخياً أن يهود جزيرة العرب كانوا عرباً تهوَّدوا بطريقة التبشير وهم في ديارهم، وبقوا محافظين على قوتهم ولغتهم العربية، من غير أن تكون لهم أي صِلة مع يهود فلسطين. والرد هنا بالتساؤل التالي: كيف يتم التوفيق بين نزوح اليهود من مصر في عهد النبي موسى كما جاء في التوراة، وبين القول في هجرتهم من جزيرة العرب؟ فأيهما الصحيح؟
الكذبة الرابعة: أن الصهيونية تستند إلى الدين اليهودي في المطالبة بفلسطين، وتزعم أن التوراة منحتهم أرض فلسطين هدية من ربهم «يهوه»، لتكون وطناً لشعبه المختار. على هذا الأساس يملكون الحق المقدَّس لاحتلالها بالقوة، وطرد سكانها، بل إبادتهم، ليستقروا فيها، ولما كان هذا الزعم يستند إلى التوراة، التي كتبها حاخاميون في بابل في وقت لاحق، تحقيقاً لأغراض سياسية، علينا هنا أن نفهم تاريخ التوراة على حقيقته... مَنْ دوَّنها؟ وكيف ومتى دُوِّنت؟ وما الأهداف الرئيسية في تدوينها؟
الكذبة الخامسة: أن يتجاهل الباحثون ما ورد في التوراة عن نزوح اليهود من مصر، ويعمدون إلى تكرار ادعاءات ينسبونها للتوراة والتلمود، فقد كان بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل يعلن في احتفالات طلبة الكلية الحربية بإسرائيل: «لقد جاء الشعب اليهودي ليبقى في أرض أجداده، التي تمتد من النيل إلى الفرات». وعلى هذا الأساس اعتبر الصهاينة جزيرة العرب ضمن هبة الرب، لكن الثابت تاريخياً أن يهود الجزيرة العربية كانوا عرباً تهوَّدوا، لا يهوداً مهاجرين من فلسطين، فقد اعتنقوا اليهودية عن طريق التبشير، شأنهم في ذلك شأن العرب الذين صبأوا إلى النصرانية.