رسمت البيانات العالمية صورة متباينة للاقتصاد الكلي، إذ ساهم الارتفاع المفاجئ لمعدلات التضخم في تعقيد توجهات التيسير النقدي، في وقت بدأت فيه وتيرة النمو تشير إلى التباطؤ. ففي الولايات المتحدة، تسارعت وتيرة تضخم أسعار الجملة بشكل ملحوظ في يناير، مما عزز النهج الحذر الذي يتبعه الاحتياطي الفدرالي، على الرغم من أن طلبات إعانة البطالة عكست استقرار سوق العمل وانخفاض معدلات التوظيف والاستغناء عن العمالة.
وفي أوروبا، حسب تقرير أسواق النقد الأسبوعي الصادر عن بنك الكويت الوطني، اتسمت تصريحات مسؤولي بنك إنكلترا بالتباين قبيل اجتماع مارس، بينما مالت الأسواق إلى ترجيح خفض أسعار الفائدة. أما في طوكيو، فتباطأ مؤشر أسعار المستهلكين نتيجة لدعم أسعار الطاقة، إلا أن أحد المقاييس الرئيسية الأخرى للتضخم ظل أعلى من المستوى المستهدف، ما أبقى على توقعات إعادة السياسة النقدية لبنك اليابان إلى مستوياتها الطبيعة.
وفي أستراليا، ساهم الارتفاع المفاجئ للتضخم في تعزيز رهانات رفع أسعار الفائدة، في حين انكمش الاقتصاد الكندي في الربع الرابع من العام متأثراً بالتراجع الحاد الذي شهدته المخزونات. وفي ظل هذه المعطيات، ارتفعت أسعار الذهب، وانخفض مؤشر الدولار، في حين شهدت الأسهم الأميركية تقلبات متزايدة مع إعادة المستثمرين تسعير توقعات أسعار الفائدة للبنوك المركزية الرئيسية.
إجراءات جمركية جديدة
قامت إدارة الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية عالمية بنسبة%10 على الواردات بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وذلك اعتباراً من الساعة 12:01 صباح الثلاثاء بتوقيت واشنطن، عقب قرار المحكمة العليا بإبطال الرسوم السابقة التي استندت إلى صلاحيات قانون الطوارئ.
ويتيح الإجراء الجديد تطبيق الرسوم الجمركية لمدة تصل إلى 150 يوماً من دون موافقة الكونجرس، ليرفع متوسط المعدل الفعلي للرسوم الجمركية في الولايات المتحدة إلى نحو%10.2، مقابل%13.6 قبل صدور الحكم، وفقاً للتقديرات الاقتصادية الأولية. ومن شأن مقترح رفع النسبة إلى%15 أن يدفع المعدل الفعلي إلى نحو%12.
وما تزال الإعفاءات سارية على السلع المتوافقة مع اتفاقية التجارة لأميركا الشمالية، إضافة إلى بعض المنتجات الزراعية المختارة. وفي المقابل، علق الاتحاد الأوروبي التصديق على اتفاقه التجاري، في ظل مخاوف من أن تؤدي الرسوم التراكمية على بعض الصادرات إلى تجاوز السقف المتفق عليه والبالغ 15%، بينما أرجأت الهند مفاوضاتها.
«لا توظيف ولا تسريح»
ارتفعت طلبات إعانة البطالة الأولية في الولايات المتحدة بوتيرة محدودة خلال الأسبوع الماضي، في حين بدا معدل البطالة مستقراً في فبراير، ما يشير إلى استمرار قوة سوق العمل. إذ زادت الطلبات الأولية بمقدار 4.000 طلب لتصل إلى 212.000 طلب في الأسبوع المنتهي في 21 فبراير، وهو مستوى أقل قليلاً عن توقعات الاقتصاديين البالغة 215.000 طلب.
وتعكس هذه البيانات استمرار بيئة سوق العمل التي تتسم بعدم التوظيف وعدم تسريح موظفين، مما يعزز التوقعات بأن الاحتياطي الفدرالي قد لا يقدم على خفض سعر الفائدة قبل انتهاء ولاية رئيسه جيروم باول في مايو. في المقابل، تراجعت الطلبات المستمرة، وهي مقياس لاستمرار البطالة وزخم التوظيف، بمقدار 31.000 طلب لتبلغ 1.833 مليون طلب في الأسبوع المنتهي في 14 فبراير. وتأثرت الأرقام الأخيرة جزئياً بعطلة يوم الرؤساء، وتزامنت مع فترة المسح الخاص بمعدل البطالة لشهر فبراير.
ارتفاع تضخم أسعار المنتجين
تسارع وتيرة تضخم أسعار الجملة في الولايات المتحدة خلال شهر يناير، في تطور يتعارض مع تأكيدات الرئيس ترامب أن ضغوط الأسعار آخذة في التراجع. إذ ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الأساسي، الذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة، بنسبة%0.8 على أساس شهري، متجاوزاً التوقعات وقراءة ديسمبر البالغة%0.6، في حين صعد المؤشر الكلي بنسبة%0.5، متخطياً التقديرات أيضاً.
وعلى أساس سنوي، ارتفع المؤشر الأساسي لأسعار الجملة بنسبة%3.6، في حين زاد المؤشر الكلي بنسبة%2.9، وكلاهما ما يزال أعلى من المستوى المستهدف للاحتياطي الفيدرالي البالغ%2. وجاء الارتفاع الشهري مدفوعاً بصفة رئيسية بالزيادة الحادة التي بلغت نسبتها%0.8 في أسعار الخدمات، والتي تعد الأقوى منذ يوليو 2025، لا سيما في خدمات التجارة وهوامش مبيعات الجملة للمعدات المهنية والتجارية.
في المقابل، تراجعت أسعار السلع%0.3 بصفة عامة، نتيجة انخفاض أسعار الغذاء والطاقة، على الرغم من القفزة التي شهدتها أسعار المعادن بنسبة%4.8، فيما سجلت السلع الأساسية ارتفاعاً بنسبة%0.7.