تميزت أعمال كريم بطابعها الرومانسي والغنائي، وتعاون مع عدد كبير من نجوم الطرب في النصف الأول من القرن الماضي، منهم الموسيقار محمد عبدالوهاب، وأخرج له سبعة أفلام، «الوردة البيضاء» (1933)، و«دموع الحب» (1935)، و«يحيا الحب» (1938)، و«يوم سعيد» (1940)، و«ممنوع الحب» (1942)، و«رصاصة في القلب» (1944)، وفيلمهما الأخير «لست ملاكًا» (1944).

وتعد شراكته الفنية مع عبدالوهاب، علامة فارقة في تاريخ السينما الغنائية المصرية، وأسست لنوعية فنية ناجحة جمعت بين الموسيقى والدراما، وسار على هذا النهج أجيال من المخرجين، منهم مخرج الروائع حسن الإمام في أغلب أفلامه، وهنري بركات، وحلمي حليم، ومحمود ذوالفقار، وأحمد بدرخان، وعاطف سالم، ويوسف شاهين، وحسين كمال.

سينما سكوب

Ad

تتابعت رحلة كريم مع الريادة، وأخرج أول فيلم مصري بالألوان «دليلة» عام 1956، بطولة عبدالحليم حافظ وشادية وزبيدة ثروت، وتم تصويره بتقنية «سينما سكوب» واستخدام عدسة لتكبير مساحة العرض على الشاشة، وكانت نقلة نوعية بالغة في تاريخ السينما المصرية وساهمت في تطوير جودة الأفلام، واهتمام المخرجين باستخدام أحدث التقنيات في مجال التصوير السينمائي.

وكان كريم أول مصري يدرس فنون السينما في أوروبا، تحديداً في إيطاليا وألمانيا. وساهمت تلك الدراسة الأكاديمية في تميز أعماله واهتمامه الكبير بأدق التفاصيل في الأداء التمثيلي والسيناريو والإخراج والتصوير والمونتاج، ما ساهم في رفع مستوى الإنتاج السينمائي في مصر منذ خمسينيات القرن الماضي.

عاشق السينما

بدأت رحلة محمد كريم بمولده يوم 8 ديسمبر 1896 في حي عابدين بالقاهرة، وتعلق بالفن منذ طفولته المبكرة، ووقتها اصطحبه والده إلى سينما «أمبير» التي تعد من أوائل دور العرض السينمائي في القاهرة، وبهره سحر الشاشة، وشاهد الكثير من الأفلام لرواد السينما العالمية في حقبة العشرينيات، منهم باستير كيتون وشارلي شابلن وجلوريا سوانسون وماري بيكفورد.

ملصق الفيلم  

وتحوّل الصبي من الانبهار إلى الهواية، واشترى من مصروفه الخاص كاميرا فوتوغرافية، وحول سطح منزله في حارة «الهدارة» إلى استديو، وبدأ بتقليد الممثلين في الأفلام الأجنبية، وكان يقف أمام كاميرته ويصور نفسه في حالات متعددة، بعد أن يضع الماكياج على وجهه ليعبّر عن الشخصية التي يمثلها.

مسرح المصطبة

وتطوّر الأمر إلى تكوين فرقه تمثيلية مع جاره يوسف وهبي الذي جمعهما حبهما للسينما، وانضم إليهما علي شقيق يوسف وزميلهما مختار عثمان، وقدما العروض التمثيلية لأبناء الحي أمام منزلهم بعد أن حولوا «المصطبة» أمامه لمسرح، وتحول المسرح إلى دار عرض سينمائي بحجرة «يوسف وهبي» بعد انتقاله إلى حي المنيرة، واستأجرا آلة عرض سينمائي من شركة «جومون» ووقف كريم خلف الستار ليقوم بالمؤثرات الصوتية باستخدام أدوات الطعام المختلفة، وأصبحت الأفلام الصامتة أكثر تشويقا لجمهورهم الصغير من أبناء الحي، واستحق ذلك مليمين من كل متفرج، وانضم الصديقان بعد ذلك إلى أحد فرق الهواة المسرحية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، كتب الشاب ذو العشرين عاماً مقالات عن السينما في الصحف المصرية، وكان تفكيره في البداية منصباً على التمصير لأعمال أجنبية، وقام أيضاً بترجمة ونشر الأخبار الفنية من بعض المجلات السينمائية الأجنبية التي كانت تصله من الخارج، ووقتها كان يراسل أكثر من خمس عشرة شركة سينمائية أوروبية.

السفر والدراسة

وأراد كريم دخول هذا العالم السحري من بوابة التمثيل، وراسل بنك روما بالإسكندرية في عام 1917، بعد أن علم بتأسيسه شركة إنتاج سينمائي، إلا أنه تلقى خطاباً بالرفض لعدم حاجتهم لممثلين، فتعلم الإيطالية وأعاد مراسلتهم بها، فطلبوا منه فى 15 مايو 1918 الحضور على نفقته الخاصة للخضوع للاختبار، وقُبل للعمل بها، وكان المصرى الوحيد فيها، ومثل أول أفلامه «شرف البدوي» واستمر معهم وبلغ أجره 20 جنيها، ثم صفت الشركة أعمالها.

وقرّر كريم السفر إلى إيطاليا لدراسة السينما، ووصل إلى روما في 21 أبريل 1921، ثم عاد إلى مصر بعد أن وجد الاهتمام هناك بالمسرح، ثم سافر مرة أخرى إلى ألمانيا، واستطاع أن يلتحق باستوديوهات «أوفا» السينمائية، وعمل في قسم المونتاج. 

 وفي خلال عام ونصف العام فقط أصبح أحد مساعدي المخرج الألماني فريتز لانج، ما أكسبه خبرة ودراية بفن الإخراج. وعاد إلى القاهرة بعد غياب دام سبع سنوات، ومعه زوجته الألمانية «نعمة اللّه» التي تزوجها أثناء عمله في ألمانيا، وأصبحت فيما بعد مساعدته في جميع أفلامه، وأنجب منها ابنته «ديانا»، وهناك صورة واحدة تجمع كريم مع زوجته مع الفنانة دولت أبيض.

رمسيس فيلم

بعد عودته إلى وطنه، وقف محمد كريم على خشبة مسرح رمسيس مع صديق طفولته يوسف وهبي ليؤدي دور ضابط في مسرحية «تحت العلم». ويعتبر كريم أول من صور أفلامًا سينمائية لبعض المناظر الخارجية في بعض مسرحيات وهبي، ودمجها في المسرحية أثناء العرض. ونجحت هذه التجربة الرائدة، وفتحت الباب لاستخدام تقنيات السينما في المسرح المصري. 

وحاول كريم إقناع وهبي بإنتاج فيلم سينمائي يقوم بإخراجه، وبعد سنوات اقتنع عميد المسرح بالفكرة، وأثمر تعاونهما عن فيلمي «زينب» (1930)، عن قصة للأديب محمد حسين هيكل، ويعتبر من أوائل أفلام شركة «رمسيس فيلم» التي أسسها وهبي بالتعاون مع كريم، والفيلم الثاني «أولاد الذوات» (1932)، وشارك وهبي في بطولته مع أفراد فرقته المسرحية، وأثار الفيلم جدلاً واسعاً وقت عرضه بسبب تناوله العلاقة بين المجتمعين الشرقي والغربي.

وصُوِرت أغلب مشاهد «أولاد الذوات» في باريس، ووقتها لم تكن هناك استديوهات مصرية مجهّزة بمعدات الصوت أو حتى الإضاءة. أما بقية المشاهد فقد صُوِرت صامتة في استوديو رمسيس، وأدخلت عليها مؤثرات صوتية فيما بعد. ولأول مرة عرفت السينما المصرية فن المونتاج في هذا الفيلم، وتم عمله في باريس وتحت إشراف مخرجه محمد كريم.

وبعد قيام ثورة يوليو المصرية، اتجه كريم إلى الفيلم الوثائقي، وأخرج «نشيد الوادي» (1952)، و«كلية البوليس» (1954)، وفيلمًا ثالثًا بعنوان «يوم الهنا» وكان آخر أفلامه الوثائقية «كله تمام» عام 1965.

قلب من ذهب

تميز أسلوب محمد كريم في الإخراج بالعناية الفائقة في المشهد، والتدقيق في اختياره للموضوع والممثلين والفنيين، واتجه إلى تصوير الطبيعة الراقية، وكان عصبي المزاج في البلاتوه يثور لأقل الأشياء، لكنه في الوقت ذاته شديد الرقة، وقال عنه المؤرخ والناقد الفرنسي جورج سادول في فبراير 1965: «إن خير رواد السينما الأوائل هو محمد كريم، وتمتاز أفلامه بالعناية والاهتمام بأصغر التفاصيل».

ملصق الفيلم  

واختتم كريم رحلته السينمائية بفيلم «قلب من ذهب» (1959)، وفي العام نفسه تفرغ لتأسيس معهد السينما، وتولى عمادته، واشتهر بهوسه الشديد بالنظافة ودقته الشديدة في المواعيد للطلبة والأساتذة، واستقال من العمادة في عام 1963، مع تخرج أول دفعة، وحصل على منحة تفرغ من وزارة الثقافة، لكتابة تاريخ السينما المصرية، لكنه رحل قبل أن يكمله، وقام المخرج أحمد كامل مرسي باستكماله، ولا تزال أعمال كريم تثري وجدان المشاهد العربي حتى اليوم.

مسيرة مزدحمة بالجوائز والتكريمات

اختير محمد كريم في عام 1943 ليكون أول نقيب للسينمائيين تقديراً لجهوده، ونال جوائز تقديرية عدة، منها جائزة الدولة في الإنتاج والإخراج والسيناريو عام 1959، عن «جنون الحب» وهو الفيلم الذي اضطره لبيع أثاث منزله ليقوم بإنتاجه. كما حصل على وسام الدولة في الفنون من الدرجة الأولى عام 1963، وحتى بعد رحيله نال اسمه جائزة الدولة التشجيعية في الفنون.

كما أن له فيلمين ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في مئوية السينما المصرية حسب اختيار النقاد عام 1996، وهما «رصاصة في القلب» (1944)، و«زينب» في نسخته الناطقة عام 1952.

شيخ المخرجين يوثق طفولة فاتن حمامة في «يوم سعيد»

اكتشف شيخ المخرجين محمد كريم العديد من نجوم العصر الذهبي للسينما المصرية، ويعد المخرج الوحيد الذي سجل طفولة فاتن حمامة على الشاشة، وظهرت في الثامنة من عمرها في فيلم «يوم سعيد» عام 1940، ويُعتبر نقطة الانطلاق الحقيقية لسيدة الشاشة في عالم السينما.

ولفتت الطفلة فاتن أحمد حمامة الأنظار بجمالها الطبيعي وموهبتها التمثيلية المبكرة، ومنذ ذلك الحين، أطلق عليها لقب «شيرلي تيمبل مصر».

وكان كريم يبحث عن طفلة موهوبة لتقوم بالتمثيل إلى جانب موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب في فيلمه «يوم سعيد» وتصادف أن فازت فاتن حمامة في مسابقة لأجمل طفلة في مصر، وقام والدها أحمد حمامة بإرسال صورة لها إلى المخرج محمد كريم.

وبعد أن رآها المخرج والموسيقار محمد عبدالوهاب، أعجبا بها وببراءتها، وقررا أنها الأنسب لدور «أنيسة»، وبالفعل أظهرت موهبة فنية كبيرة في الأداء، مما دفع محمد كريم، ليوقع عقداً مع والدها ليضمن مشاركتها في أعماله السينمائية القادمة، وشاركت في «رصاصة في القلب» (1944)، وفيلمها الثالث والأخير مع كريم «دنيا» (1946).

مخرج «دليلة» يتسبب في اتهام العندليب بالتمثيل دون تصريح!

واجه المطرب عبدالحليم حافظ تهمة التمثيل دون تصريح أو الانضمام لنقابة المهن التمثيلية، بعد مشاركته في بطولة فيلم «دليلة» (1956) مع شادية وإخراج محمد كريم، وباتت الأزمة حديث الصحف المصرية وقتذاك.

ونشر المنتج أحمد الإبياري صورة من التحقيق مع عبدالحليم حافظ عن وقوعه في هذا الخطأ، بعد عرض الفيلم، وكان نص الخبر الذي نشرته صحيفة قديمة: «عبدالحليم أثناء التحقيق معه في البلاغ الذي تقدّم به أحمد علام نقيب الممثلين بتهمة التمثيل في فيلم دليلة وهو ليس عضواً بالنقابة، وبذلك يكون قد خالف المادة 60 من القانون رقم 142 لسنة 1955، وتنص على عقوبة من يقوم بالتمثيل وهو ليس عضوا بالنقابة بالحبس مدة لا تزيد على شهر وبغرامة لا تزيد على 50 جنيهاً أو بإحدى العقوبتين».

ودافع العندليب عن نفسه بأنه عضو في نقابة المهن الموسيقية وأن نقابة الممثلين لم تبلغه من قبل بضرورة الانضمام إليها، وأنه منتج الفيلم الذي يمثل فيه، وكان قد تعاقد مع المخرج محمد كريم على إخراجه قبل أن يصدر القانون الجديد الذي ليس له أثر رجعي.

وبعد «أزمة دليلة» توقف التعاون بين المطرب عبدالحليم حافظ والمخرج محمد كريم، ورغم ذلك كانت تجربة سينمائية فريدة لهما، وأصبح كريم أول مخرج يستخدم تقنية «سينما سكوب» في الأفلام المصرية، بينما حقق العندليب السبق بظهوره على الشاشة بالألوان الطبيعية.