لم تكن عودة جحيم الحرب إلى تلك المنطقة الملتهبة - التي قُدر لبلادنا أن تكون فيها - إلا حصيلة مسار طويل من السياسات المتشددة والطموحات التوسعية التي انتهجتها إيران، مع سعيها الحثيث إلى خلق أذرع لها في عدد من الدول العربية لتكريس نفوذها الإقليمي عبر شبكات وتحالفات عابرة للحدود، في موازاة إصرارها المتعنت على تطوير برنامجها الصاروخي وعدم تقديم تنازلات جوهرية بشأنه، مما كانت له عواقبه التي تعيشها المنطقة الآن.

كان واضحاً لكل ذي رؤية أن جولات التفاوض الأخيرة بين واشنطن وطهران لم تكن تستهدف تسوية حقيقية، بقدر ما كانت كسباً للوقت ومهلة للاستعداد للحرب، ففي حين أخذت الولايات المتحدة تحشد حاملات طائراتها وصواريخها وقواتها سعت طهران إلى إعادة تموضع قدراتها وإخفاء عناصر قوتها وإبعادها عن مرمى الضرب الأميركي.  

وفي قلب هذه المعادلة ترى دول الخليج - التي حرصت دائماً على حسن العلاقة مع طهران وسعت دائماً إلى مد يد العون إليها ولم تسع يوماً إلى التدخل في شؤونها الداخلية أو زعزعة استقرارها الداخلي - ترى تلك الدول نفسها وهي في مرمى الاعتداء الإيراني، الذي استهدفت بعض حلقاته الآثمة صباح أمس دولة الكويت، انتقاماً من ضربة أميركية وجهت إلى الجمهورية الإسلامية، فلماذا تتحمل هذه الدول المسالمة تبعات أي هجوم لا علاقة له بقرارها السيادي، أو لم تشارك فيه، بل على العكس حذرت منه أيما تحذير حرصاً على استقرار المنطقة وأمنها؟!

Ad

إن توسيع طهران دائرة عداواتها لتشمل جاراتها من دول الخليج يعرضها لخسارة أكبر، إذ تخاطر بفقدان حيادية جيرانها، مع ما تزرعه من عداوات قد لا تمحى بسهولة، فذلك التوسيع الآثم لا يمكن عزله عن سوابق كثيرة من الاستفزازات، حتى وإن قابلته هذه الدول بسياسات الاحتواء ومد يد العون وتغليب منطق الحوار، حيث حرصت دول مجلس التعاون على تبني نهج غايته تقليل التوتر وتعزيز الاستقرار، غير أن استمرار التمادي الإيراني في انتهاك أمنها عند أي أزمة تلوح بينها وبين الولايات المتحدة أو إسرائيل يفرض إعادة تقييم شاملة لكيفية حماية الأمن الخليجي.

ذلك التقييم الشامل يجرنا إلى ما يسمى بـ «هدية الأزمات»، كما يقال، فإن منطق الأزمة كثيراً ما يحمل في طياته فرصة لإعادة البناء، حيث يخلق الاعتداء الإيراني الانتقامي السافر على دول الخليج، حافزاً قوياً يجب أن يدفعها دفعاً حتمياً لإعادة تفعيل منظومة الدفاع الخليجي المشترك، ليس بوصفه رد فعل آنياً، بل خياراً استراتيجياً طويل المدى يؤسس لبيئة أمنية خليجية أكثر تماسكاً في مواجهة تلك الصدامات العالمية التي باتت أراضي المنطقة مسرحاً مفضلاً لها. 

أما على المستوى الدولي، فتمثل اللحظة الراهنة اختباراً حقيقياً لدور الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليعيدا تذكير العالم بدورهما المتواري والمفقود، فبدلاً من الاكتفاء بالإدانة والشجب والبيانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، يمكن تحويل هذا الاعتداء إلى نقطة انطلاق نحو مبادرة عالمية أكثر جرأة لتحريم الأسلحة النووية وكبح سباقات التسلح في كل أنحاء العالم، في اتجاه للقضاء على جذور التهديد، لا أعراضه فحسب، بهدف إرساء أمن جماعي مستدام.

وهكذا، تتجاوز الأزمة الراهنة حدود المواجهة الثنائية، لتصبح مفترق طرق أمام الإقليم والعالم، إما التوجس المتبادل واستمرار دوامة التصعيد والوصول إلى حرب لا تبقي ولا تذر، أو انتهاج مسار أكثر عقلانية يقوم على توازن الردع، وتعزيز الدفاع المشترك، والعمل الجاد نحو نزع السلاح وبناء نظام دولي أكثر استقراراً وعدلاً.