وُلِد توجو مزراحي في 2 يونيو عام 1901 لأسرة مصرية من أصل إيطالي كانت من أغنى عائلات يهود الإسكندرية في فترة العشرينيات، ويعمل أفرادها في تجارة القطن، وكان والده مديرا للشركة الجمركية للمستودعات التجارية، وتعلّق الصبي بالفن منذ التحاقه بالمدرسة الابتدائية، وظهرت موهبته في إلقاء الشعر والتمثيل، وفي سن السابعة عشرة، أثناء مرحلة تعليمه العالي، التحق بالعمل في شركة والده محاسباً، وأكمل دراسته وحصل على دبلوم في التجارة، وتم تعيينه موظفا في الشركة الكبرى للأقطان بالإسكندرية.
وفي العشرين من عمره، ترك توجو العمل نهائيا وسافر إلى إيطاليا لاستكمال تعليمه بناء على رغبة والديه، آملين في عودته لتوسيع تجارة العائلة، وهناك ارتاد دور السينما والمسارح، لكنّه استمر في دراسته، ثم انتقل إلى فرنسا وحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، وعاد إلى مصر ليبدأ حياته المهنية، ويطبِّق العلوم التي درسها، وخلال تلك الفترة كان يفكر في دخول المجال السينمائي من باب الإنتاج، وبعد أن أسّس شركة إنتاج، اهتم بدراسة الإخراج والتمثيل والمونتاج، وأصبح على دراية كافية بعناصر الفن السابع، وجذبه سحر الشاشة بعيدًا عن العمل التجاري.
الفيلم المفقود
قدّم مزراحي فيلمه الصامت الأول «الكوكايين» عام 1930، كصانع أفلام رائد، فالفيلم من إخراجه وتأليفه وإنتاجه، وشارك في بطولته مع مجموعة من الممثلين الناشئين، منهم عبده محرّم وشالوم، وجرى عرض الفيلم بعد إدخال الصوت على النسخة الصامتة عام 1934 بعنوان «الهاوية»، وحقق إقبالاً جماهيرياً كبيراً، ودارت أحداثه في إطار ميلودرامي اجتماعي حول مخاطر إدمان المخدرات، ويحتل الفيلم رقم 13 في قائمة الأفلام الروائية المصرية.
وقدّم مزراحي فيلمه الثاني «5001»، وشارك في بطولته شالوم ودولت أبيض وعبدالفتاح صالح ومحسن رمزي وأحمد المشرقي (توجو مزراحي)، ويروي قصة شاب يعاني الفقر، ويحلم بالثراء، وتحدث المعجزة ويفوز بورقة «اليانصيب» التي اشتراها، وكان رقمها «5001»، لكن المشكلات تنهال عليه، ويتمنى العودة لحياته السابقة. وعُرض الفيلم لأول مرة في القاهرة يوم 15 نوفمبر 1932، ويعد هذا الفيلم الصامت من الأفلام المصرية المفقودة، ويحتل رقم 18 في تسلسل الأفلام المصرية الروائية الطويلة.
شالوم الرياضي
واستثمر مزراحي نجاح فيلميه «الكوكايين» و«5001»، وعقد شراكة فنية مع الممثل المصري اليهودي شالوم (ليون أنجيل)، وقدّم سلسلة من الأفلام الكوميدية التي تعتمد على شخصية «شالوم»، ويُعدّ أول من قدّم سلسلة أفلام مصرية تحمل اسم الممثل، ودفعت تجربته الناجحة المخرج فطين عبدالوهاب لتقديم سلسلة أفلام للممثل الكوميدي إسماعيل ياسين، وشارك في تقديمها مخرجون آخرون، منهم نيازي مصطفى، وحققت نجاحًا كبيرًا خلال حقبة الخمسينيات.
وعلى غرار أفلام الفنان الكوميدي الشهير شارلي شابلن، أخرج مزراحي «شالوم الترجمان»، وشارك في بطولته عبده محرّم وبهيجة المهدي وزكي إبراهيم، وعُرض الفيلم لأول مرة يوم 4 أبريل 1935 بالقاهرة في دار سينما كوزمو، وبالإسكندرية في دار سينما كوزمو غراف، وحقق نجاحًا كبيرًا، ويحتل هذا الشريط السينمائي رقم 43 في تسلسل الأفلام المصرية الروائية الطويلة.
وبعد عامين، قدّم مزراحي «شالوم الرياضي»، واعتمد خلاله على مجموعة من الممثلين الهواة، منهم ستيللا دوزوجلو ذو الأصول الإيطالية، والممثلة اليهودية عدالات، ويدور الفيلم في إطار كوميدي حول بائع ساندويتشات يُدعى شالوم، يرث عن خالته ثروة هائلة، وبعدها تنقلب حياته رأسًا على عقب، وعُرض الفيلم لأول مرة في 18 نوفمبر 1937 بدار سينما كوزمو القاهرة وكوزمو غراف بالإسكندرية، ويحتل الفيلم رقم 77 في تسلسل الأفلام المصرية الروائية الطويلة.
سينما الكوزموغراف
وأخرج مزراحي أفلامًا أخرى لا تحمل اسم «شالوم»، منها «المندوبان»، وشارك في بطولته فوزي الجزايرلي وعبده محرّم وإحسان الجزايرلي وفيكتوريا فارحي، وتدور الأحداث في إطار كوميدي، وعرض الفيلم لأول مرة يوم الخميس 17 مايو 1934 بسينما فؤاد (الكوزموغراف سابقاً) بالقاهرة، وبعد أسبوع بسينما الكوزموغراف الأميركاني بالإسكندرية، ويحتل هذا الشريط السينمائي رقم 37 في تسلسل الأفلام المصرية الروائية الطويلة.
وقام مزراحي ببطولة وإخراج «الدكتور فرحات» عام 1935، وشهد الفيلم أول ظهور للفنانة تحية كاريوكا على الشاشة، ولعبت فيه دورا ثانويا أمام مجموعة من الممثلين الذين تكرر ظهورهم في أفلام هذا المخرج، منهم أمينة محمد وفؤاد الجزايرلي، ويدور الفيلم في إطار كوميدي حول صاحب لوكاندة يكلف أحد مستخدميه بالبحث عن تُرجمان فيأتيه بالقروي فرحات الذي يتخبط مع نزلاء اللوكاندة، منهم الدكتور حلمي، ويطلب من فرحات أن يجسّد شخصيته، وتتوالى الأحداث.
«خفير الدرك»
وتوالت رحلة مزراحي مع الأفلام الكوميدية، وحقق حضوره في المشهد السينمائي خلال فترة الثلاثينيات، وكان على موعد مع النجاح في فيلم «100 ألف جنيه» بطولة نجم الكوميديا وقتذاك علي الكسار، وعُرِض الفيلم في سينما النهضة بالقاهرة يوم الخميس 27 فبراير 1936، واستمر 4 أسابيع، ويحتل هذا الشريط السينمائي رقم 55 في تسلسل الأفلام المصرية الروائية الطويلة.
والتقى مزراحي والكسار مجددًا في «خفير الدرك» عام 1936، وشارك في بطولته زكية إبراهيم وبهيجة المهدي، ويُعد من الأفلام المصرية النادرة، وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول عثمان عبدالباسط، وهو رجل طيب وكسول، وتعامله زوجته، أم إبراهيم، بقسوة شديدة ليبحث عن عمل، وتنقّل في عدة أعمال حتى ساعد في القبض على عصابة خطيرة، وتكافئه الشرطة بتعيينه خفيرًا للدرك.
ألف ليلة وليلة
واصل مزراحي مسيرته السينمائية الناجحة من خلال شراكته الفنية مع النجم الكوميدي علي الكسار، وأخرج له 9 أفلام حققت إيرادات عالية في شباك التذاكر، منها «الساعة سبعة» (1937)، و«التليغراف» (1938)، و«عثمان وعلي» (1939)، و»ألف ليلة وليلة» عام 1941، و«علي بابا والأربعين حرامي» (1942)، و«نور الدين والبحارة الثلاثة»، وقد استلهمت آخر 3 أفلام من حكايات ألف ليلة وليلة، وشهدت تلك الأفلام رحلة صعود الكسار إلى قمّة نجوميته، وبعدها تراجع عن أدوار البطولة المطلقة، وظهر في أدوار ثانوية حتى رحيله عام 1957.
أفلام يونانية
تعددت إسهامات مزراحي بين الإنتاج والتأليف والإخراج، وقدّم 4 أفلام يونانية للجالية اليونانية في مصر، وكانت تُعد من أكبر الجاليات في مطلع القرن العشرين حتى الخمسينيات، ونظمت الكثير من العروض الفنية على المسارح المصرية، وفي تلك الفترة التقى مزراحي مسؤولي إحدى الفرق اليونانية المشهورة، وتعاقد معهم على إنتاج وإخراج فيلم طبق الأصل لفيلم الدكتور فرحات، الذي أنتجه عام 1935 ناطقًا باللغة اليونانية، وتم عرضه في اليونان عام 1937 وحقق نجاحا كبيرا.
وقدّم مزراحي سلسلة من الأفلام الغنائية، منها «سلامة» عن قصة للأديب علي أحمد باكثير، وبطولة سيدة الغناء العربي أم كلثوم ويحيى شاهين وزوزو نبيل واستيفان روستي وعبدالوارث عسر، ويُعد أول فيلم تاريخي قام بإخراجه مزراحي، وتدور أحداثه في فترة الدولة الأموية، وشدت فيه أم كلثوم بمجموعة من الأغنيات من أشعار بيرم التونسي وألحان زكريا أحمد ورياض السنباطي، وعُرِض يوم 9 أبريل 1945 في سينما استديو مصر، وحقق إيرادات عالية.
«ابن الحداد»
وأنتج مزراحي الكثير من الأفلام للعديد من المخرجين الشباب في تلك الفترة، منها 3 أفلام من إخراج يوسف وهبي، وهي «ابن الحداد» (1944)، و«الفنان العظيم» (1945)، و«يد الله» (1946)، كما أنتج للمخرج نيازي مصطفى فيلم شارع محمد علي عام 1944، وفيلم ملكة الجمال (1946)، وللمخرج حسين فوزي فيلم إكسبريس الحب بطولة المطربة صباح وفؤاد جعفر، وعُرِض في ديسمبر 1946 بسينما كوزمو، ويُعد آخر فيلم أنتجه توجو وبعدها توقّف نشاطه الفني.
المحطة الأخيرة
ومنذ عام 1946 احتجب مزراحي عن الأضواء ثم هاجر إلى إيطاليا عام 1949 بعد إعلان تأسيس دولة إسرائيل، ولاحقته أصابع الاتهام بالصهيونية، وفضّل أن يهاجر إلى البلد الذي انحدر منه أجداده، وقيل إنه رفض الذهاب إلى إسرائيل، واستمر بالعمل السينمائي في روما، ولم تنقطع علاقته بمصر، حيث اشترك في مجلتَي المصور والكواكب لمتابعة الحركة الفنية في موطنه الأصلي، وتعرّض توجو في الستينيات لمشاكل صحية، وتوقّف نشاطه حتى رحيله في 5 يونيو 1986 تاركا بصمات لا تُمحى في ذاكرة السينما المصرية.
مكتشف ليلى مراد يؤسس استديو سينمائياً أثناء الحرب العالمية
انتقل توجو مزراحي إلى القاهرة أثناء الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، واشترى عام 1939 استديو وهبي بميدان الجيزة، وأسماه استديو الجيزة، واحتفظ باستديو توجو في الإسكندرية، وأسس شركة الأفلام المصرية، واتخذ علم مصر شعاراً لها.
يُعد استديو الجيزة من أكبر الاستديوهات السينمائية في تلك الفترة، وأضاف إليه مزراحي الكثير من التحديثات، منها غرف صناعة السينما، وغرف للممثلين، وأخرى للإنتاج والديكور والماكياج والصوت والمونتاج، إضافة إلى قاعة لاستقبال الضيوف.
وفي العام ذاته اكتشف مزراحي المطربة ليلى مراد، وقدّمها للجمهور في فيلم ليلة ممطرة مع الفنان يوسف وهبي، وفي عام 1940 أخرج فيلم الباشمقاول، بطولة فوزي الجزايرلي وميمي شكيب وزوزو شكيب، وحسن فايق، كما أخرج لليلى مراد 4 أفلام أخرى، هي ليلى بنت الريف، وليلى بنت المدارس (1941)، وليلى (1942)، وليلى في الظلام (1944)، وتعتبر تلك الأفلام بصمات فنية مميزة مع بداية مسيرة الفنانة ليلى مراد في السينما المصرية.
خطاب شكر من حكمدار القاهرة الإنكليزي لمخرج «الكوكايين»
يُعد فيلم «الهاوية» أول فيلم روائي طويل صامت من إخراج وإنتاج استديو مزراجي، وتناول مخاطر إدمان المخدرات، وعُرض لأول مرة في دور السينما بالإسكندرية يوم 25 نوفمبر عام 1930، وبعد 3 أشهر في القاهرة تحت عنوان «الكوكايين».
وقام توجو ببطولة وإخراج الفيلم باسم مستعار (أحمد المشرقي)، خوفا من غضب عائلته التي كانت تطمح إلى أن يستمر في العمل التجاري، وشاركه في بطولة الفيلم الممثل شالوم، واسمه الأصلي ليو أنجل.
وحقق الفيلم نجاحا كبيرا أثناء عرضه في القاهرة، ولاقى استحسان الحكومة المصرية، وأرسل حكمدار القاهرة الإنكليزي، رسل باشا، خطاب شكر لمزراحي عن صناعة هذا الفيلم الذي يعالج قضية اجتماعية كبيرة هي الإدمان، وفي عام 1934 أصبح فيلم «الكوكايين» ناطقا ومصحوبا بالموسيقى التصويرية، ويُعد من الأفلام الرائدة التي حذّرت من مخاطر تلك السموم.