بعد إعدام صدَّام خضع العراق لهيمنة إيران، التي استخدمته كساحةٍ خلفية للالتفاف على العقوبات الاقتصادية الدولية، وكممرٍ لمد نفوذها حتى جنوب لبنان، مروراً بدمشق، فبسطت نفوذها على الحكومات المتعاقبة، وعلى البرلمان وفصائل عسكرية موالية لها تمارس حرباً طائفية بالداخل.
ففي أوج النفوذ الإيراني، وأثناء رئاسة المالكي حتى 2014، الذي تهدِّده أميركا الآن بسحب ترشيحه للرئاسة، تنازل الجيش العراقي عن عتاد عسكري بمليارات الدولارات، بعد فبركته - آنذاك - لهزيمةٍ بالمحافظات الشمالية لمصلحة «داعش»، لتؤجج حرب طائفية داخلية تستفيد منها إيران، التي دقّت إسفين الفُرقة بين الشيعة والسُّنة، متسببةً في القتل على الهوية، ويُنسب إليها مسؤوليتها عن تفجير مراقد الإمامين العسكريين في بداية حُكم المالكي، وهو ما أكده نائب الرئيس طارق الهاشمي في مقابلة مع «العربية»، وبتدبير قاسم سليماني، بشهادة منشق عن فيلق القدس، إضافة لتفجيرات كان ضحاياها المئات في كربلاء والكاظمية، اللتين تمرُّ ذكراهما غداً عام 2004، وكذلك تفجيرات الحلة بعدها بعام، ومرّت ذكراها قبل يوم أمس! أي لم تكن إيران تدافع مذهبياً عن العراق، بل تقوم بالاعتداء على المذهب، لإبقاء نفوذها، وتشويهه بممارسات خرجت عن سيطرة مراجع دينية معتدلة، وتحويل المزارات إلى أماكن يُقبِّل فيها العراقيون أقدام الإيرانيين.
لقد زعزعت إيران استقرار العراق، ليكون ورقة ضغط لتحسين شروط تفاوضها والدفاع عن نفوذها بالمنطقة، وتطوير برنامجها النووي بمواجهة الغرب، ومن أشكال هذه الزعزعة افتعال نزاع خور عبدالله، الذي كتبنا عنه في مايو العام الماضي بعنوان: «خور الشيخ عبدالله الصباح وصحة اتفاقيته لتنظيم الملاحة»، فنَّدنا فيه المزاعم تاريخياً وقانونياً، تأكيداً لأحقية الكويت، التي يُعد ترسيم حدودها مع العراق منتهياً، طبقاً للقانون الدولي، بمصادقة مجلس الأمن على القرار 833/ 1993، وبموافقة حكومة العراق وبرلمانها ومحكمتها الاتحادية، آنذاك، لكن إيران افتعلت النزاع للضغط على الكويت والسعودية، لتتدخل في حقل الدرة القريب من السواحل الكويتية، بعد إعلان الكويت والسعودية تطويره، وأجبرت البرلمان العراقي والمحكمة الاتحادية بشكلٍ مُثير للسخرية في 2023 على إلغاء الاعتراف بالاتفافيات الدولية للخور، بعد اعترافهما بها في 2014، مما أحرج رئيس العراق ورئيس وزرائه، ليتقدَّما بالطعن أمام المحكمة.
والآن «عادت حليمة (خانوم) لعادتها القديمة»، ونظراً لعلم إيران أنها ستتعرض لضربة عسكرية أميركية أجبرت العراق مرة أخرى على إعادة فتح ملف «خور عبدالله»، والردح المُفلس هذه المرة، بإيداع خرائط وإحداثيات حدود بحرية لدى الأمم المتحدة، التي ردَّت ببطلان ما قدَّمه العراق، لأنها غير ملزمة وغير معترف بها دولياً، وليس لها أي أثر، لأن الحدود البحرية بين البلدين محدَّدة ضمن القرار 833، الذي أشرنا إليه أعلاه، وهو ملزم بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة طبقاً لمبدأ دولي يمنع الإعلان المنفرد عن تعديل الحدود.
إننا لنأسى على الشعب العراقي، الذي كتبنا له قصيدة منذ عشرين عاماً نرثيه ونتغنَّى بماضيه العريق، وندعوه للحفاظ على بلده، نذكر منها بيتين:
بغـــــدادُ جـودي بالتأني واهدئــي
إنّ الصــراع المذهبــيّ معاديــــــا
بغــدادُ جــودي بالتأنــي واهدئـي
لم يبقَ منــك يا عــراقُ بــواقيـــــا
ولاهتمامنا بالتعليم، نوجّه رسالتنا للعراقيين في «يوم المعلم العراقي»، الذي تمرُّ ذكراه اليوم، ليحتكموا للعلم والعقل، ويعودوا لعروبتهم، ويكسروا الأغلال الإيرانية، ليرتدوا عباءة بني جلدتهم، ويخرجوا من تحت العباءة الإيرانية.
***
إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.