بحث المواطن «كاف» مطولاً عن اسمه في ملفات إبستين. قلَب الإنترنت رأساً على عقب، واستغرب أنه لا يوجد له أثر بينهم، واستهجن الأمر، خصوصاً أنه — في تقديره المتواضع — باحثٌ فذ، وعالمٌ كبير، وصاحب مشروع حضاري لعلاج العلل، وهو على يقين أن هناك من النوابغ وجهابذة السياسة وملوك التجارة، عدد غير قليل، كان لهم أدوار بطولية في تلك الملحمة المشبوهة.

فشرع «كاف» يجمع الآراء المتضاربة وفقاً لعادته بصرامةٍ علميةٍ تامة، فوجد رأياً يقول إن ندماء إبستين أهل فسق وإجرام، وآكلو لحوم بشر، ومنتهكو أعراض أطفال، مصيرهم جهنم وبئس المصير، ثم اطلع على رأيٍ آخر يقول إن القصة برمتها مؤامرة مُحكمة، اختُرعت لإحراج المتنفذين الأبرياء، وتشويه سمعة الكيان الصهيوني المحب للسلام، وتبرير ضرب «الملالوة».

ثم توسّع «كاف» في بحثه، فوجد أن هناك شخصيات غربية متورطة في الملفات انهالت عليهم الشتائم، وأُقيلوا من المناصب، واستُدعوا للتحقيق، بل فُتحت كشاكيلهم الإلكترونية، بلا حصانة ولا ستار.

Ad

غير أن «كاف» لاحظ أمراً أعجب، هو أن كثيراً من جلساء إبستين في منطقتنا اختفوا من الفضاء الرقمي اختفاءً مُعجزاً، مُحيت تواريخهم، واختفت صورهم، وتبخّرت آثارهم من الإنترنت كالسراب، فاستنتج «كاف» ودوّن:

«فيما يخص العرب من جلساء إبستين، فمن البيّن أن أفعالهم لم تقع في الواقع أصلاً، بل جرت في الفضاء الإلكتروني وحده — شأنها شأن الأحلام والأوهام — وعليه، فإن العلاج الأنجع هو تنظيف الإنترنت نفسه»، ثم اكتشف أن آخرين من جلساء إبستين العرب مازالوا يمارسون حياتهم الاجتماعية والمهنية بكامل طمأنينة، وكأن شيئاً لم يكن.

  جلس «كاف» يفكر طويلاً، وحلل هذه المفارقات بعبقريته المعهودة، ثم دوّن خلاصة الأمر في كشكوله:

«واضحٌ أن دول الغرب تعيش لحظة انهيار أخلاقي عظيم، فقد رفعوا الحصانة عن وزرائهم وسفرائهم، بل حتى عن أمرائهم، ونشروا غسيلهم القذر على الملأ، وتشير الدلائل — بعد جمع القرائن — إلى أن ليتل سانت جيمس ما هي إلا جزيرة المحشر، وأن المدعو جيفري إبستين ليس إلا الاسم الحركي ليأجوج ومأجوج».

وعند توصله إلى هذه النتيجة الباهرة، قرر «كاف» أن يوجّه إيميلاً مستعجلاً لوزيرة العدل الأميركية -المتهمة بإهانة ضحايا إبستين وحماية النخبة- راجياً منها — بكل تواضع علمي — مراجعة ما تبقّى من الملفات السرية، للتأكد من وجود اسمه بينها كما ينبغي، ووفق الأصول المرعية.

أرسل «كاف» الإيميل عند صلاة الفجر وعاد إلى صيامه واعتكافه وصلواته!