يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جارية: «أين الله؟» فقالت: «في السماء». فردّ على سيدها بقوله: «أعتقها فإنها مؤمنة». هذا الحوار القصير تحوّل إلى معيار دقيق لتمييز الإيمان الفطري عن الإيمان الجدلي، فالجارية لم تخضع معرفتها لله لبرهان منطقي، ولم تبحث عن الدليل العقلي، بل عبّرت تلقائياً عن يقينها بأن الله فوق خلقه، يسمع ويرى ويعلم. وفي المقابل، نسمع ما روي عن عجوز نيسابور حين قالت إن وجود الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى برهان، فردّ عليها أبوحامد الغزالي «اللهم إيمان العجائز”، وهي عبارة تبدو بسيطة لكنها تختصر موقفاً فكرياً عميقاً من الخلافات الكلامية التي شغلت العلماء في القرون الأولى، فالعجوز لا تنكر العقل، لكنها ترفض تحويل الإيمان إلى معادلات فلسفية تُضعف صلته بالوجدان. الجامع بين المشهدين هو أن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى زينة الجدل ولا إلى عناء الاصطلاح، فالله يقذف في قلب عبده نور اليقين، فيطمئن القلب قبل أن يقنع العقل. هذا لا يعني رفض النظر العقلي، بل وضعه في موضعه الصحيح: خادماً للإيمان لا بديلاً عنه. وفي عصرنا الحالي تبرز أهمية هذا المفهوم مجدداً، فمع اتساع فضاء النقاشات العقدية عبر الشبكات الاجتماعية، عاد السؤال القديم بلباس جديد: هل نؤمن لأننا نبرهن، أم نبرهن لأننا آمنا؟ الجواب يكمن في الموازنة بين صفاء الفطرة ونور المعرفة. إن الرأي الراجح أن “إيمان الجواري والعجائز” ليس دعوة إلى السذاجة، بل إلى وجود الإخلاص والبساطة الذي يحمي العقيدة من ترف الجدل وضباب الشك، فالإيمان الذي يثمر طمأنينة القلب هو الإيمان الذي يجمع بين وعي الجارية ويقين العجوز، بين صفاء الفطرة ونضج التجربة. 

دمتم بود.

Ad