﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ...﴾: إن كان التزيين يُغري في الخفاء، فالاستفزاز يهاجم في العلن. فهو ليس وسوسة هادئة، بل صدمة في الداخل، قلقٌ مفاجئ، غضبٌ يشتعل، واندفاعٌ يسبق العقل. كأنك فقدت نفسك لحظة، فتولَّى غيرك القيادة.

لهذا يحذِّر سيدنا علي بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه: «فاحذروا عباد الله أن يعديكم بدائه، وأن يستفزكم بندائه...».

يعديكم بدائه: كأنه مرض ينتقل، لا يقتحمك دفعةً واحدة، بل يتسرَّب إلى القلب، فيحوِّل الغفلة عادة، ويجمِّل الخطأ التبرير، حتى يُصبح الذنب مألوفاً لا يُستنكر.

Ad

ويستفزكم بندائه: أي بصوته، وكلُّ صوتٍ يُخرجك من السكينة إلى الاضطراب هو من هذا الباب. كلمة تشعل غضبك، فكرة تدفعك للتكبُّر، ردة فعل قاسية تندم عليها بعد لحظات.

هنا لا يقودك بلطف، بل يدفعك لتفقد توازنك، فالغضب جندٌ من جنوده، والعجلة بابٌ من أبوابه، وحُب الانتصار للنفس، ولو على باطل، أحد فخاخه الكبرى، وما أكثر ما نخسر أنفسنا في لحظة انفعال.

﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ...﴾: صورةٌ عجيبة يرسمها القرآن، كأن الشيطان لا يكتفي بالهمس، بل يزحف بجيشٍ كامل.

بخيلك: اندفاعٌ صاخب، هجومٌ ظاهر، غضب مفاجئ ترى أثره في الجوارح قبل أن تستعيد وعيك. خصومة، ضجيج، تهوُّر، قرار متسرِّع... ضربات مكشوفة.

ورجلك: زحفٌ هادئ لا يُرى. فكرة بسيطة، ثم تبرير، فاعتياد، حتى تنقاد النَّفس إليه من حيث لا تشعر، لا من جهةٍ واحدة، بل من جهتين. صدمات من الخارج تزعزعك، وتسللات من الداخل تُربكك، حتى تفقد القدرة على تمييز المصدر، فلا تدري. وتبدأ المتاهة، تسيء الظن بربك، فتجلد ذاتك، وتغرق في التأنيب، فيما الحقيقة أن العدو كان أقرب مما تتخيل.

لهذا يحذِّر سيدنا علي بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه: «وان يجلب عليكم بخيله ورجليه...».

ويُجلب ليست مجرَّد حضور، بل استنفار وهجوم، كأن الشر كله يُستدعى عليك دفعةً واحدة. فهو إما صدمة تُفقد توازنك، أو تسلُّل بطيء يُبعدك من نفسك.

واللافت أن بخيله ورجله تُوحي بأن الأمر ليس همسة منفردة، بل يستدعي عليك المشهد كله، بأشخاص، وبيئات، وأصوات، وأفكار مبثوثة، حتى يبدو السقوط طبيعياً وأنت لا تشعر.

﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: ثم يبلغ الكيد مرحلة أخطر... لا يوسوس لك فقط، بل تجد نفسك شريكاً له من حيث لا تشعر، حتى تمتزج وسوسته بقراراتك، فلا تدري أهي أفكارك أم صوته.

في المال، حين يُجمع بلا ضمير، ويُنفق في غير حق، يتحوَّل من نعمةٍ إلى أداة فساد.

وفي الأولاد، حين تُربَّى القلوب على الغفلة، ينشأ جيلٌ يسير في الطريق نفسه دون أن يسأل. هنا لا يعود الشيطان عدواً من الخارج، بل يصبح شريكاً في حياتك كلها. 

الغرور ليس قوة، بل خدعة صورة تلمع من بعيد كأنها حقيقة الأمان والمتعة والمكانة، فإذا اقتربت منها لم تجد إلا فراغاً. ولا يسع المقام لتفصيل فخاخه كلها، فطُرقه أكثر من أن تُحصى، لكن الأهم كيف ننجو منها، وهذا حديث الجزء القادم.