تصفّحتُ مقالَي الكاتب الإعلامي اللامع حمزة العليان عن الأطباء القدامى في الكويت، فشعرتُ، كزميل في حقل الكتابة، بامتنانٍ لذاكرته التي تعيد بعض الوجوه إلى الضوء، ولروح المبادرة التي تحاول إنصاف الروّاد. ومع هذا الامتنان، لم يسعني إلا أن أُسجّل عتباً رقيقاً: كيف يمكن لصفحاتٍ حافلة بالذكريات أن تمرّ دون أن تتوقف عند اسمٍ بحجم الدكتور كميل الريّس؟
وربما يكون السهو عابراً، وربما تحتاج بعض القامات إلى مقالٍ خاص بها، لأنّها لم تكن أسماء عابرة في سجل الوظيفة، بل كانت حكايات وطن في جسد رجل.
قبل أن أعرف د. كميل الريّس شخصياً، عرفته على ألسنة الناس.
عرفته حكايةً تتناقلها البيوت، واسماً يُقال بثقةٍ حين تضيق الغربة.
في يومٍ من أيّام الجبل، كنّا نودّع شاباً متجهاً إلى الكويت. كان وحيد أهله، ومعيلهم، وسند البيت. احتضنه والده طويلاً، ثم أخرج من جيبه ورقةً صغيرة، طواها بعناية، ووضعها في يد ابنه، قائلاً:
«يا بني، إن احتجت يوماً، اتصل بهذا الرقم... هذا رقم د. كميل الريّس. بيته مفتوح، ولا يردّ أحداً».
لم تكن الورقة رقم هاتفٍ فحسب، بل كانت عهد أمان.
وكان الاسم وحده كافياً ليخفّف عن قلب الأب ثقل الوداع.
هكذا كان د. كميل: مرجعاً قبل أن يكون طبيباً، وملاذاً قبل أن يكون عنواناً.
كان رجلاً في زمنٍ هزّت فيه الشدائد كثيراً من الرجال، فبقي ثابتاً. طبيباً حين احتاجه المرضى، وإنساناً حين احتاجته الإنسانية، ومدرسةً حين احتاجه الطلبة والعلم.
جاء إلى الكويت في بداياتها، بطلبٍ من الأمير الراحل الشيخ صباح السالم الصباح، فكان من أوائل الأطباء الذين وضعوا علمهم في خدمة وطنٍ يتشكّل.
لم يكن الطبيب الشخصي للأمير فحسب، بل كان رفيق ثقةٍ في السفر، وأميناً على الصحة في مرحلة دقيقة من تاريخ الدولة.
غير أنّ أثره لم يتوقف عند العيادة. فقد أسّس المدرسة الأميركية الدولية، لتكون صرحاً تربوياً خرّجت - ولا تزال - أجيالاً من الأطباء والمهندسين والوزراء وأصحاب المسؤوليات.
لم يكن يرى في التعليم مشروعاً تجارياً، بل رسالةً مكمّلة لرسالته الطبية، فكما يعالج الجسد، كان يؤمن بأنّ العلم يعالج المستقبل.
كان لبنانياً بالصميم، يحمل الجبل في قلبه أينما حلّ، ومرجعاً لكل أبناء الجالية، لا سيّما أهل الجبل الذين وجدوا فيه أخاً أكبر قبل أن يكون طبيباً.
بيته كان مفتوحاً، وصدره أوسع من كلّ خلاف، واسمه يُذكر كما تُذكر الطمأنينة، وكأنّه سفارة بلا أعلام لكل مَن يحتاج من أبناء الجالية اللبنانية إلى نصيحة أو عون.
إنّ استعادة اسم د. كميل الريّس اليوم ليست مجرّد تصحيح سهوٍ عابر، بل وفاء لذاكرة الزميل اللامع الذي شعرنا بقربه من خلال كتابته، وأدركنا من خلالها حاجة التاريخ إلى أن تُذكر الحقيقة كاملة.
فبعض الرجال لا يُعرّفون بمناصبهم، بل بما يتركونه من أثرٍ في قلوب الناس.
رحم الله د. كميل الريّس...
الرجل الذي كان رقم هاتفه طمأنينةً في جيب شاب، وسكينةً في قلب أب، وذاكرةً حيّةً في وطنين.