لم يعد الحديث عن زيادة الرواتب في الكويت مطلباً نقابياً تقليدياً أو طرحاً شعبوياً يمكن تأجيله، بل أصبح عنواناً لاختلالٍ اقتصادي واجتماعي واضح. فالمشهد اليوم لا يحتاج إلى كثيرٍ من الشرح: تضخم يلتهم القدرة الشرائية، رسوم تتكاثر على كل خدمة ومعاملة، وكُلفة معيشة ترتفع بوتيرةٍ متسارعة، في مقابل دخل ثابت لم يتحرك منذ سنوات. ثم يُطلب من المواطن والمقيم معاً أن يتفهما ويصبرا، وكأن المشكلة في توقعاتهما، لا في السياسات القائمة. 

المفارقة التي تُثير الألم، بل السخرية السوداء، أن كل هذه الإجراءات التي قُدِّمت تحت عنوان «الإصلاح المالي» لم تمنع تسجيل عجز يقارب عشرة مليارات دينار في الموازنة. أي أن الدولة رفعت الرسوم وضيَّقت على جيوب الناس، ومع ذلك بقي العجز قائماً. هنا يحق للجميع أن يسأل: إذا كانت الجباية لم تحل المشكلة، فلماذا يُحمَّل المجتمع وحده كُلفة الاختلال؟ 

الأزمة لم تعد مقتصرة على بند الرواتب فقط، بل امتدت إلى طريقة التعامل مع مصادر الدخل البسيطة التي يلجأ إليها الناس لمواجهة الغلاء. فالكثير من المواطنين والوافدين وجدوا في المشاريع الصغيرة والأعمال المنزلية، مثل المطابخ المنزلية، متنفساً اقتصادياً شريفاً يخفف عنهم ضغط الحياة. لكن بدل أن تُنظَّم هذه الأنشطة بقوانين مرنة تفتح باب الرزق وتحفظ الجودة والسلامة، تم اختيار الطريق الأسهل: المنع والمحاسبة.

Ad

حين تُغلق الأبواب أمام مَنْ يحاول تحسين دخله بجهدٍ فردي، فيما ترتفع كُلفة الحياة يوماً بعد يوم، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع قاسية: لا زيادة في الرواتب، ولا مساحة لخلق دخلٍ إضافي، وفي المقابل المزيد من الرسوم والمزيد من القيود. 

الطبقة الوسطى، التي شكَّلت تاريخياً قاعدة الاستقرار الاجتماعي، تتعرَّض اليوم لاستنزافٍ حقيقي. القروض لم تعد خياراً لتحسين مستوى الحياة، بل وسيلة للبقاء، والادخار تحوَّل إلى فكرةٍ مؤجلة، والراتب ينتهي قبل أن ينتهي الشهر. والمُقيم الذي جاء ليعمل ويعيش بكرامة يواجه هو الآخر واقعاً أكثر صعوبة مع ارتفاع الكلفة وتضييق الفرص. زيادة الرواتب في هذا السياق ليست منَّة من أحد، ولا قراراً قابلاً للمجاملة السياسية، بل هي استحقاق لإعادة التوازن الذي اختل. كما أن فتح المجال أمام الاقتصاد الصغير وتنظيمه بدل منعه هو جزء من الحل، لأنه يخلق حركة اقتصادية، ويوفر دخلاً مشروعاً لآلاف الأُسر. 

الحديث عن العجز المالي لا يجوز أن يتحوَّل إلى شماعة لتعليق حقوق الناس أو لتبرير التضييق عليهم. العجز بقي رغم الرسوم، مما يعني أن جذوره في مكانٍ آخر: في بنية الإنفاق، في الهدر، في غياب إعادة ترتيب الأولويات. 

الإصلاح الحقيقي يبدأ من هناك، لا من جيب المواطن والمقيم، ولا من إغلاق أبواب الرزق أمامهما. المسألة في جوهرها تتعلق بفلسفة إدارة الدولة للاقتصاد والمجتمع. فالدولة التي تُريد الاستقرار لا تضيق على الناس، بل تفتح لهم المجال ليعملوا وينتجوا وتُعيد توزيع الأعباء بعدالة، لأن زيادة دخل المجتمع عبر الرواتب أو عبر دعم المشاريع الصغيرة ليست عبئاً، بل هي وقود يحرِّك السوق ويعزز الاستقرار. لذلك، فإن زيادة الرواتب وتنظيم الأنشطة الاقتصادية البسيطة بدل منعها ليسا مطلبين منفصلين، بل هما جزء من رؤية واحدة تُعيد التوازن وتحفظ كرامة الناس. فالقضية لم تعد أرقاماً في الموازنة، بل حياة يومية أصبحت أثقل من أن تُحتمل، وحقاً مشروعاً في العمل والعيش الكريم لا يحتمل التأجيل.