«السفير الصباح.. الليلة تحررت الكويت» بهذه العبارة التي جسدت عمق اللحظة أعلن رئيس الولايات المتحدة جورج بوش الأب تحت قبة الكونغرس الأمريكي اكتمال فصول ملحمة تحرير دولة الكويت وهو يتطلع بعينين ملؤهما الإنجاز نحو سفير البلاد لدى الولايات المتحدة آنذاك الشيخ سعود الناصر الصباح رحمه الله.
وما إن سكن صدى الكلمات في واشنطن حتى انفجرت عواصم القرار حول العالم بموجة من ردود الفعل محملة بإشادات استثنائية بصلابة الشعب الكويتي والحنكة الفذة التي أدارت بها القيادة السياسية الكويتية المعركة سياسيا ودبلوماسيا علاوة على التحالف العالمي غير المسبوق الذي طوى واحدة من أخطر أزمات النظام الدولي في التاريخ المعاصر.
وقال الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في خطاب متلفز للداخل الأمريكي إن تحرير الكويت يمثل انتصارا للقانون الدولي مؤكدا ان العدوان لا يمكن أن يشكل أساسا لشرعية سياسية وان المجتمع الدولي أثبت قدرته على التحرك المشترك عندما تتعرض دولة عضو في الأمم المتحدة للاعتداء.
من جهتها وصفت رئيسة وزراء المملكة المتحدة مارغريت تاتشر تحرير الكويت من الغزاة بأنه «يوم انتصار للحق وسيادة القانون».
واشادت تاتشر بثبات الكويتيين ورباطة جأشهم في مواجهة الاحتلال معتبرة أن صمودهم لعب دورا محوريا في الحفاظ على الزخم الدولي المؤيد للتحرير.
من جانبه أكد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في بيان صادر عن قصر الاليزيه ان استعادة الكويت لسيادتها يمثل نجاحا للإرادة الدولية المشتركة وان احترام الحدود المعترف بها دوليا يشكل حجر الزاوية في الاستقرار العالمي.
بدوره اعتبر المستشار الألماني هيلموت كول تحرير الكويت خطوة تعزز الثقة في النظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة مؤكدا ان وحدة الموقف داخل مجلس الأمن شكلت عنصرا حاسما في شرعية التحرك الدولي لتحرير الكويت وعودتها لأهلها وقيادتها الشرعية.
وفي موسكو أكد الرئيس السوفييتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف ان إنهاء الاحتلال وعودة السيادة الكويتية تطور مهم في اتجاه تثبيت قواعد القانون الدولي مؤكدا ان معالجة الأزمات عبر الشرعية الدولية والتوافق متعدد الأطراف يمثل الطريق الأكثر أمانا للاستقرار العالمي.
عربيا تلاحقت البيانات الرسمية الصادرة عن قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حاملة في طياتها تهان مخلصة للكويت قيادة وشعبا حيث جسدت التعبير الصادق عن وحدة المصير المشترك وأن أي اعتداء على دولة من دول المجلس بمثابة اعتداء مكتمل الأركان على كيان المجلس بأكمله.
وأكد خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز طيب الله ثراه ان تحرير الكويت يمثل انتصارا للحق العربي وأن امن الكويت جزء لا يتجزأ من أمن المملكة العربية السعودية والمنطقة مضيفا أن التضامن الخليجي والعربي لعب دورا مهما في تثبيت الموقف الدولي الداعم للشرعية الكويتية.
من جهته هنأ رئيس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان طيب الله ثراه الكويت قيادة وشعبا مؤكدا أن ما تحقق هو ثمرة تلاحم خليجي - عربي - دولي.
ودعا الشيخ زايد إلى مرحلة البناء والاستقرار مشددا على أهمية عدم السماح لتكرار مثل هذا الأعداء على أي دولة خليجية.
من جهته رحب أمير دولة قطر الشيخ خليفة بن حمد طيب الله ثراه بالتحرير معتبرا ان عودة الكويت المحررة إلى أهلها انتصارا للشرعية الدولية.
واكد الشيخ خليفة التزام دول الخليج بالدفاع المشترك وضرورة التنسيق العسكري والسياسي والخليجي مستقبلا.
وفي سلطنة عمان أعرب السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله عن الارتياح لعودة السيادة الكويتية داعيا الى ترسيخ الاستقرار الإقليمي عبر التعاون والحلول السياسية وتعزيز منظومة الأمن الجماعي الخليجي.
اما في المنامة وصف الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه التحرير بأنه انجاز للشرعية والتضامن الدولي مؤكدا وقوف البحرين الكامل مع شقيقتها الكويت.
وفي القاهرة صرح الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بأن تحرير الكويت يؤكد ان النظام العربي قادر على العمل المشترك عندما تتعرض إحدى دوله لاعتداء مشيرا إلى مشاركة القوات المصرية ضمن التحالف وان عودة الكويت لأهلها تمثل عودة التوازن إلى الإقليم.
من جانبه بعث العاهل المغربي الملك الحسن الثاني ببرقية تهنئة إلى القيادة الكويتية قال فيها ان صمود الكويت دخل صفحات التاريخ وان الشرعية انتصرت بفضل تضافر الجهود الدولية والعربية.
كما أصدر الرئيس السوري حافظ الأسد بيانا أكد فيه ان انتهاء الاحتلال يعيد الحق إلى أصحابه ويغلق صفحة خطيرة في تاريخ المنطقة.
من جهته أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية عصمت عبد المجيد أن عودة الكويت إلى سيادتها يمثل لحظة مفصلية في العمل العربي المشترك داعيا إلى استخلاص الدروس وتعزيز آليات الوقاية من النزاعات.
أمميا وصف الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كوييار تحرير الكويت بأنه التطبيق العملي لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وأن تنفيذها أعاد التأكيد على أهمية منظومة الأمن الجماعي.
وفي السياق ذاته اعتبر رئيس مجلس الأمن في دورته آنذاك توماس بيركينغ أن استعادة الكويت لسيادتها يمثل تنفيذا صريحا لإرادة المجتمع الدولي كما عكستها قرارات المجلس.
وشهدت أروقة المنظمة الدولية إشادات واسعة من مندوبي الدول الأعضاء بوحدة الموقف والتنسيق السياسي والعسكري الرفيع وبصلابة الكويتيين في وجه العدوان.
كما تحولت منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تظاهرة تأييد عالمية حيث اعتبر ممثلو دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية التحرير رسالة ردع لكل من يفكر في انتهاك حدود الدول بالقوة وفرض سياسة الأمر الواقع.
وفي بروكسل أصدر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مانفريد فورنر بيانا قال فيه ان تحرير الكويت يعزز مفهوم الأمن التعاوني ويؤكد أهمية الشراكات الدولية في مواجهة التهديدات الكبرى.
كما رحبت مؤسسات الجماعة الأوروبية بهيئاتها السبع بتحرير الكويت واعتبرته تثبيتا لقواعد النظام الدولي.
وفي إطار مواز تداعت المجالس البرلمانية حول العالم للاحتفاء بعودة الحق لأصحابه عبر جلسات خاصة وبيانات رسمية حيث أشاد الكونغرس الأمريكي بنجاح مهمة التحرير فيما وصف رئيس مجلس النواب آنذاك توم فولي الالتزام بالتحالف الدولي بأنه نموذج في تقاسم الأعباء والمسؤوليات.
وفي القارة الأوروبية شهدت البرلمانات البريطانية والفرنسية والألمانية جلسات وكلمات تاريخية أكد خلالها النواب الدعم الكامل للكويت وحتمية حماية الشرعية الدولية ومنع طمس شرعية الدول.
وفيما هنأ البرلمان الكندي الشعب الكويتي بالتحرير أصدر البرلمان الأوروبي قرارا احتفاليا دعا فيه لدعم إعادة الإعمار ومعالجة آثار العدوان.
ولم يغب البعد البيئي عن المناقشات حيث طالب برلمانيون أوروبيون بتحرك دولي عاجل لمعالجة آثار كارثة حرائق آبار النفط التي أشعلها النظام العراقي السابق على البيئة والبنية التحتية في الكويت.
من جهتها سارعت المؤسسات المالية الدولية لمد جسور التعاون حيث أعلن البنك الدولي جاهزيته للمساهمة في برامج إعادة الإعمار فيما أبدى صندوق النقد الدولي استعداده لتقديم المشورة والدعم الفني للحكومة الكويتية في مرحلة ما بعد التحرير.
وعلى الصعيد الإنساني رحبت منظمات حقوق الإنسان الدولية بانتهاء الاحتلال وأشادت بصمود الكويتيين داعية إلى توثيق الانتهاكات وضمان المساءلة وفق الأطر القانونية الدولية.
وأجمع وزراء خارجية القوى الكبرى على أن التحرير رسخ السيادة كخط أحمر وصاغ نموذجا فريدا لإدارة الأزمات الدولية عبر الدبلوماسية النشطة التي أسست لشرعية التحرك الدولي.
وكانت الدبلوماسية الكويتية بمثابة جوهرة التاج التي حصدت تقديرا واسعا في الأوساط السياسية الدولية اذ كان لتحركاتها المكثفة خلال فترة الاحتلال واتصالاتها المستمرة مع العواصم وعرضها المنهجي للحقائق إسهام فاعل في تثبيت الرواية القانونية والسياسية للأزمة.
ووصف دبلوماسيون من شتى بقاع العالم الأداء الدبلوماسي الكويتي بالرصين مؤكدين انه كان نموذجا فذا في ادارة الأزمات للدول ذات الحضور الدولي الفاعل.
كما افردت وسائل الإعلام الدولية مساحات واسعة لتغطية لحظة التحرير اذ وصفت كبريات الصحف العالمية الحدث بأنه انتصار للنظام الدولي القائم على القواعد مشيدة بقدرة الكويت على تحويل قضيتها إلى قضية رأي عام عالمي.
ونقلت شبكات التلفزة مشاهد رفع العلم الكويتي وعودة مؤسسات الدولة إلى العمل فيما اعتبر خبراء القانون الدولي ان تحرير الكويت شكل سابقة مهمة في تطبيق قرارات مجلس الأمن باستخدام القوة متعددة الجنسيات بتفويض واضح ومحدد الأهداف.
وفي قلب الكويت تجلت أبهى صور التلاحم الوطني بين القيادة والشعب إذ شكلت عودة رمز الشرعية أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح رحمه الله إلى أرض الوطن إيذانا ببدء ملحمة أخرى من البناء والإعمار لتترسخ حقبة التحرير في الذاكرة الوطنية كركيزة صلبة في هوية الكويت الحديثة وشاهدا حيا على إرادة الشعوب حين تتسلح بالإرادة واليقين.