ترتقي الشعوب بتمسّكها بالإرث الحضاري، أياً كان حجمه، من تراثيات متنوعة؛ إذ يُفسَّر ذلك بتطبيق طرق وأساليب ومناهج علمية صُنعت كآليات متوازنة في التعامل مع أنواع المعلومات القديمة، التي يُتعامل معها إما في سياق ومحاور التاريخ، أو بوصفها معلومات وثائقية. وذلك هو موضع الفارق الاصطلاحي الذي يبيّن الفرق العملي بين مفهومي التاريخ والتوثيق.

فكثير من الناس يعجز عن التفرقة بينهما، فيخلط بين التوثيق والتاريخ دون تحقّق؛ إذ يرى المعلومات التاريخية توثيقًا، ويخلط بينها وبين الطرح الوثائقي المتكوّن من مجموعة معلومات موثَّقة، يظنّ حين يسمعها أو يراها أنها من سياق الحدث التاريخي ذاته.

ومن هنا يجب معرفة أن الفارق بين التوثيق والتاريخ يكمن في أن التاريخ يُعرَّف على أنه أحداث وحكايات متسلسلة زمنياً، تسير وفق يوميات الإنسان في زمانٍ ومكانٍ محددين. لذلك كان التدبر والنظر في تلك الأحداث التي تداولها الله عز وجل بين الناس سبيلًا لاستخلاص العبرة والعظة، كما يذكر ابن خلدون في مقدمته.

Ad

أما التوثيق، فهو عملية جمعٍ وحفظٍ للمعلومات القديمة بصورة عامة، رجاء الاستفادة منها في خدمة صنوف العلم ومجالات البحث العلمي. فالتوثيق يصنع مصادر علمية جديدة، أما التاريخ فيصنع دولًا ورجالًا. ومن هنا يتضح الفرق بين المجالين من حيث رسالة كل منهما وهدفه.

ويمرّ التوثيق بعدة مراحل، تُستخلص في نهايتها النتائج العلمية المرجوة، ولعلنا من خلالها نتوصل إلى تطوير العلوم بمختلف مجالاتها، إضافة إلى حلّ المشكلات التي تواجه الناس. وهذه المراحل أربع:

مرحلة الجمع، وهي مرحلة البداية، وتتمثل في جمع المعلومات بصورة أولية.

مرحلة التحقيق، وهي عملية فحص شامل للمعلومات، والتأكد من صحتها وقوتها وصلاحيتها.

مرحلة التحليل، وهي المرحلة المتخصصة لفهم المادة المتوافرة وكيفية توظيفها، والخروج بتحليلات وفوائد وتفسيرات تثري أصل المادة العلمية.

مرحلة عرض المعلومات، وهي أساليب الكتابة وطرق تقديم المعلومة، سواء صدرت في شكل كتاب، أو فيلم وثائقي، أو مقال علمي محكّم.

ومن هنا ظهر علم التوثيق مع بدايات القرن العشرين، إذ خرج من رحم علم المكتبات، حين واجه أمين المكتبة فوضى التكدس المعلوماتي وتنوع المصادر الورقية، فاضطر إلى تطوير منهجية جديدة في التعامل معها، ليبرز بعد ذلك بوضوح التوجّه المتميز لكلٍّ من التاريخ والتوثيق.