دخل المعلّم الصفّ كعادته. شرح الدرس بإتقان، رتّب الأفكار، أنهى الأهداف المحددة في خطته. لم يكن هناك خطأ ظاهر. ومع ذلك، كان هناك شيء ناقص. الوجوه أمامه صامتة، العيون تنظر، لكن التفاعل باهت.
المشكلة لم تكن في الشرح. كانت في المعنى.
الطالب لا يحتاج دائماً إلى معلومة إضافية، يحتاج إلى من يربط المعلومة بحياته. يحتاج إلى معلّم يعرف لماذا يعلّم، قبل أن يسأل الطالب لماذا يتعلّم.
تجربة “بيغماليون في الصف” التي نشرها Rosenthal وJacobson (1968) أظهرت أن توقعات المعلّم يمكن أن تؤثر فعلياً في أداء الطلبة. حين اعتقد بعض المعلّمين – بناءً على معلومات عشوائية – أن طلاباً معينين سيحققون نمواً أكاديمياً أكبر، تحسن أداؤهم بالفعل. لم يتغير المنهج، بل تغيّر السلوك اليومي: صبر أطول، أسئلة أعمق، ثقة أوضح. التوقع نفسه أصبح بيئة.
وتعزز أبحاث Carol Dweck (2006) حول “عقلية النمو” هذه الفكرة، عندما يُنظر إلى قدرات الطالب بوصفها قابلة للتطور، ويُشجَّع الجهد بدل تثبيت الذكاء، يتغير تعامل الطالب مع الخطأ. الفشل لا يصبح تهديدًا للهوية، بل خطوة في طريق التعلّم.
أما تحليلات John Hattie (2009) في مشروع “Visible Learning”، التي جمعت مئات الدراسات، فقد وضعت جودة العلاقة بين المعلّم والطالب والتغذية الراجعة الفعّالة ضمن أقوى العوامل تأثيراً في التحصيل الدراسي. ليس المحتوى وحده ما يصنع الفرق، بل المناخ الذي يُقدَّم فيه المحتوى.
وحين نربط ذلك بنظرية الدافعية الذاتية لـ Ryan وDeci (2000)، نفهم الصورة كاملة: الطالب يحتاج أن يشعر بالقدرة، وبأن له صوتاً، وبأنه جزء من بيئة تحترمه. المعلّم هو من يخلق هذا الإحساس يومياً، أحياناً بكلمة، وأحياناً بنظرة.
الفرق بين صفٍّ صامت وصفٍّ حيّ ليس دائمًا في مستوى الطلاب، بل في مستوى الاتصال الإنساني.
هل يشعر الطالب أن صوته مرحّب به؟ هل يُسمح له أن يخطئ دون أن يُختزل في خطئه؟
حين يعرف المعلّم لماذا يعلّم، تتغير نبرة صوته، ونوع أسئلته، وحتى صبره. يصبح التعليم علاقة قبل أن يكون محتوى. ويشعر الطالب – دون أن يُقال له ذلك – أنه ليس رقماً في سجل، بل مشروع إنسان.
فاسأل نفسك: هل أعلّم لأن المنهج يطلب مني؟ أم أعلّم لأن أمامي إنساناً يتشكّل؟ وربما يبدأ التحوّل الحقيقي يوم يدرك المعلّم أن أثره لا يُقاس بعدد الصفحات التي أنهى شرحها...بل بعدد المعاني التي أيقظها في عقول طلابه.