تعاطف العالم مع «بانش» القرد الياباني الصغير الذي رفضته أمه وأقرانه ولم يجد أماناً إلا في دمية قماشية تشبهه، تعاطفت معه ولكن صورته أعادت استدعاء ذكرى قديمة في طفولتي وأنا دون سن الثامنة، حيث كنت وقتها زعيمة عصابة أطفال الفريج بالتزكية طبعاً دون انتخابات، وفي يوم ظهر قرد صغير مجهول المصدر، هادئ ومطيع، ينظر إلينا ليبحث عن الأمان، وحين رأيناه ودون أي اعتراضات أعلنت «أنه تحت حمايتنا الشخصية وأنه... من اليوم منا وفينا»، ولأنني أؤمن بالديموقراطية أطلق أحد أفراد العصابة اسم «بومبو» عليه ووافقنا بالإجماع، أسرع أحدهم لإحضار دشداشة أخيه الصغير، ثم قامت ابنة الجيران بإحضار غترة وعقال والدها، وفي دقائق معدودة أصبح «بومبو» فرداً من عصابتنا رسمياً، لعب معنا الغميضة صحيح أنه كان يختبئ في أماكن مكشوفة ولكن يبدو أنه يحمل بعداً استراتيجياً، شارك معنا في شد الحبل، صحيح أنه يسحب بالعكس ولكن له بعد نظر تكتيكي، علمناه لعب «التيلة»، صحيح أنه كان يرميها بلا اتجاه ولكننا نشجعه ونصفق له بحرارة على الإنجاز وحب التعلم، أما حين كنا نجلس لنأكل الحب الشمسي فكان يقشره بطريقة أفضل منا، ومع هذا النجاح الاجتماعي والمهارات العالية التي أبداها فرد العصابة الجديد -قررت- الإدارة العليا -أي أنا- الانتقال إلى المرحلة التعليمية له، وأن مصلحته في أن يتعلم حتى يشاركنا في العلم، وحاول بعض أفراد العصابة الأولاد أو «الصبيان» إقناعنا بأن نستخدمه في «الهوشات» ليكون معنا «فزاع»، لكننا رفضنا هذا الاستخدام للفرد الجديد في عصابتنا، وأن عليه أن يسلك طريق العلم، وأخذنا أنا وابنة الجيران مسؤولية تعليمه «هذا حرف الألف... قل ألف» مال برأسه وحك أذنه ثم نظر إلى السقف «قلنا واضح يفهم... بس مستحي»، لنكمل في بقية الأحرف.
خطة الإخفاء له كانت شقية جداً، إذ قررنا أن ينام كل ليلة في بيت مختلف، وتعاهدنا على الصمت حتى لا ينكشف أمرنا من الكبار، أسبوع كامل نجحنا في هذا التخطيط الاستراتيجي واللوجستي، وكنا نشعر بأننا على وشك كتابة فصل جديد علمي في نظرية دارون، التي تقول إن الانسان تطور وكان قرداً، كان كل شيء رائعا ويمشي بسلاسة، حتى جاء الصوت «بريد... بريد» ركضنا نحو عربة الآيسكريم، وبالطبع ركض معنا بومبو، بل الحقيقة إنه تفوق علينا وتسلق العربة بحماس يكشف أصله، نظر صاحب العربة وصرخ: مين ده اللي لابس الدشداشة؟ قرد! في دقائق حضر الأهل وعلم الكبار بالموضوع وبدأت مرافعتنا، بكينا، شرحنا أنه «قريب يصير إنسان»، وأنه يفهم كل شيء ولكنه خجول و«مستحي»، وأننا سنتولى تعليمه وأنه طيب، ولكن لم يسمع لنا أحد، وبالطبع بصفتي الزعيمة كان هناك جانب لابد أن أتحمله وثمن كبير، حيث أشار الأطفال إلى أنني صاحبة الفكرة لآخذ العقوبة وحدي يومها، لم تحزني «العلقة الساخنة» بقدر ما أحزنني أن المشروع العلمي الأول... لم يكتمل، ومن يومها وأنا أعترض على نظرية دارون.