تابعت سيل الأوصاف المدبّجة التي رافقت رحيل أحد القادة السياسيين اليمنيين، وكالعادة يبادر الكثيرون إلى الكتابة عن هذا الراحل، ومنحه عدداً من الألقاب الباذخة، والمواقف الناصعة، والإنجازات الكبيرة والكثيرة، والحق يقال فبعضها كتابات واقعية تناقش بتجردٍ ومسؤولية، بينما البعض الآخر منها عبارة عن سردٍ للبطولات، وعكسٍ للحقائق، وضياعٍ للحق دونما أي إنصافٍ أو عدل أو حتى خجل على أقل القليل، في واقعةٍ يمكن وصفها بالكتابة الشُّعورية، وبالطبع فليست المشكلة في الشُّعور ذاته، فهو الشرارة الأولى لأي كتاباتٍ حيَّةٍ وجميلة، ولكن الإشكال في تحوُّله إلى نفاقٍ صـريح، وإلى مغالطة فادحة للتاريخ.
وهنا... فهذه الكتابات ليست رثاءً بقدر ما هي عملية تبييضٍ لتاريخٍ أسود – في حد نظري ونظر المُنصفين– حيث تُستبدل الوقائع بالانطباعات، والكوارث السياسية باختراع أكاذيب لا صلة لها بالواقع، ولا مقام لها في التاريخ الذي يدوِّن كل شيء، بحلوه ومره، والمشكلة قد لا تتعلق بشخص الراحل، بقدر ما تتعلق بآلية الكتابة ذاتها، الكتابة التي تحاول تعطيل الذاكرة، بل وثقبها، وادعاء ما ليس سليماً ألبتَّة، وجعلها بمثابة حقائق سليمة وواقعية، وهكذا تتحوَّل الشخصيات الجدلية، سواء أكانت سياسية أم دينية أم اجتماعية أم غيرها، مهما كان ثُقل أدوارها، وحجم حضُورها، مدى نجاحاتها أو إخفاقاتها، إلى أيقوناتٍ أخلاقيةٍ معقَّمةٍ ومُنزهةٍ من كل خطأ، دونما محاسبةٍ أو مساءلةٍ أو حتى ذكر الحقائق بعلاتها –كما هي–، وهذا الأمر يعدُّ مشكلة مشاكل اليمن، حيث انعدمت النزاهة في الكتابة، وضاعت الشفافية في قول الحقيقة، بل أوجدنا نخبا وأقلاما لا تُغالط الواقع فحسب، بل تُعيد إنتاجه مشوَّهاً مبتوراً وبعيداً عن الصدق التاريخي، وتزرع في الوعي الجمعي سـردياتٍ كلها كذبٌ وخداع، ممَّا يجعلها – وتحديداً في وضع اليمن غير المستقر – ليست بتلك البراءة، ولا بتلك الإنسانية، كما تُقدم، بل هي تواطؤ متعمَّد في طمس الحقائق، وتزييف الوقائع، ونكران الأحداث، صغرت أم كبرت، وما أكثرها في هذا البلد المكلوم!
ولعل المسؤولية مُلقاةٌ بالمقام الأول على عاتق أولئك الكُتَّاب الشُّعوريين، وعلى أدوارهم في خلط الصدق بالكذب، والحقائق بالتزييف، كما أنها ملقاةٌ أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي التي كافأت هذا النمط وسهلته، فنصٌّ سريع، ذو عاطفةٍ ما، ينشر على صفحاتها، ويتم مشاركته في مختلف منصاتها، ليولِّد كارثةً عميقة تتمثل في إغفال الفِكر، وتهميش العقل، وحصـر التَّحليل، والبحث عن الحقيقة، ليصبح ما يقوله (س أو ص) من أولئك الكُتَّاب – مع الأسف الشديد – هو الواجب تصديقه من قبل الشعب الذي يُطلب منه أن يتعاطف بدلاً من أن يفهم!
وفي الأخير... فإن هذه الكتابات ليست مجرد كتاباتٍ عابرة تذهب في حال سبيلها، بل إنها أحد أعراض الأزمة البنيوية القائمة في الوعي المجتمعي، ويجب على أولئك أن يحملوا المسؤولية التاريخية كاملةً حيال كتاباتهم، فكثيرٌ منها لا تُكتب لتُقرأ فقط، بل لتفرَّغ، فالكاتب لا يُخاطب القارئ، بل ذاته المجروحة أولاً، وثانياً وثالثاً، يهمس لها بأن الحقائق يجب أن تدوَّن بوضوحٍ وسموٍّ وعلو، مهما كانت وكيفما كانت، شاء من شاء وأبى من أبى.
* صحافي يمني