كنت في حيرة من أمري، إما أن أصنف هذا المقال وأعنونه بما جاد به اليراع أعلاه وينضم إلى سلسلة (الاغتراب البيئي)، التي بنيتها على مدى سنوات عبر الكتابة المقالية، هذا لطابعه شبه العلمي والتقني، أو أن أعنونه بـ (خبر وتعليق: أبحاث الفضاء). ولكن الهواء الألماني شبه المتجمد في مدينة كارلسروه أعطى كلمته الفصل في المسألة، وأصبح العنوان كما تراه عزيزي القارئ. في تاريخ 30 يناير من هذه السنة، ومن بعد شبه الانتهاء من شهر يناير الطويل جداً كعادته، خرج علينا خبر مرّ مرور الكرام، فحواه أن الحكومة الكويتية قد اعتزمت دخول مجال (أبحاث الفضاء) بالتعاون مع شركة بوينغ العالمية.

حسناً، جيد وممتاز جداً، وبحكم الخبرة في المجال العلمي والتقني أتحدث بما هو آت. هناك أعمال متعلقة بالمجال، وإن كانت على استحياء في دولة الكويت، وهذا أمر مفهوم بطبيعة الحال، فأتمنى الترتيب مع المهتمين والمختصين في المجال ليتسنى لكل طرف الاستفادة القصوى والكاملة من الآخر. لكن في حقيقة الأمر ليس هذا مغزى المقال وهدفه بتاتاً، فإن لدولة الكويت السبق والريادة في مجال البحث العلمي، ليس على مستوى الخليج فحسب بل المنطقة الغرب آسيوية، فلها من مراكز الأبحاث والبحث الأكاديمي الباع الطويل جداً، والخبرة العلمية الميدانية الشيء الكثير. ولكن لسبب أو لآخر بات المتابع يشعر أن الدولة قد أدارت ظهرها لهذا القطاع مؤخراً، وتحديداً خلال السنوات العشر الماضية.

كيف ولم؟! هنا يكمن السر وراء هذا كله، فقد بات من البديهي تقليل الدعم المادي والمعنوي لهذا القطاع، وتقليل الدعم اللوجستي بأن الدولة لم تعد تؤمن بالبحث والتطوير العلمي. يقاس الدعم المالي (المادي) للبحث والتطوير على مستوى العالم بنسبة الدعم المخصص كنسبة مئوية من الناتج القومي. أشرت لهذا كله و(انبح صوتي مجازاً على أية حال) وأنا أخاطب من خلال مقالات عدة موضوع الدعم وطبيعة البحث العلمي سابقاً. متوسط الإنفاق من مجمل الناتج القومي عالمياً هو 2.62%، ؜ ولدول معروفة تملك الصدارة مثل كوريا الجنوبية والولايات المتحدة وألمانيا واليابان بنسب تفوق 3٪؜. والمفارقة هنا أن الكيان الصهيوني يحتل المركز الأول بـ 6%، ؜ فقد عرف أولئك قيمة العلم وأهمية دعمه. وبحسب آخر الإحصائيات أيضاً فإن دولة الكويت تنفق 0.1٪؜ من ناتجها القومي، وذلك لعام 2023 ليشمل حتى بند الدراسات والاستشارات. عموماً هذا المعدل هو رقم ضئيل على استحياء لا يليق بمقام الكويت. وحتماً لو تفحصنا البند ذاته للعامين اللذين يليان ذات الميزانية لوجدنا الإنفاق في تناقص.

Ad

قيمة الاستثمار الحقيقي للدول تكمن في رأس المال البشري وتطويره، فالاستثمار في الإنسان أهم بكثير من البنيان، ولا أهم من الاستثمار في العلم، فهو المنجاة لمستقبلنا جميعا. والله كريم وهو المستعان.

 على الهامش: بحسب الخبر الذي نشر في 1 فبراير الماضي فإن خريجي تخصص الأمن السيبراني سيتم توظيفهم مدرسي «حاسوب»!! متى يتم ربط سوق العمل بالتخصصات الأكاديمية؟!