في تاريخ الحركة الوطنية الكويتية تُحفظ أسماء كثيرة في الواجهة، توثّقها الصور والمنابر ومحاضر الجلسات، لكن الحقيقة التي يعرفها من عاش التجربة أن هذا التاريخ لم يُصنع في القاعات فقط، بل في البيوت التي تحمّلت القلق، وفي الأجساد التي دفعت الثمن بصمت. هناك، في المساحة التي لا تُكتب عادة، تقف فريال الفريح بوصفها أحد أعمدة كلفة الموقف. لنكن صريحين: المواقف في الكويت لا تُدفع كلفتها تحت قبة عبدالله السالم فقط، بل في الأعمار التي تُستنزف، وفي الصحة التي تتراجع، وفي ليالٍ طويلة لا يراها أحد. حين اختار عبدالله النيباري طريق الدفاع عن الدستور والمواجهة المفتوحة، كان يعرف الكلفة ويمضي إليها بوعي كامل، لكن خلف هذا الطريق كانت فريال ترى الثمن يُدفع لحظةً بلحظة، ولم تقل له يوماً: تراجع. هذه ليست سيرة زوجة ساندت زوجها، بل سيرة شراكة كاملة في مشروع وطني طويل. نحن كنّا نرى الرمز ثابتاً على المنبر، صلباً في كلمته، لا يساوم ولا يهادن، وهي كانت ترى ما بعد الموقف: تعب المواجهة، ضغط المرحلة، والقلق الذي يتحول مع السنوات إلى ألمٍ حقيقي يسكن الجسد. نحن كنّا نصفّق للموقف... وهي كانت تدفع الفاتورة كاملة. جسدها الذي تضرر لم يكن حالة طبية منفصلة عن سياقها، بل كان التعبير الصامت عن كلفة الإيمان بقضية. دفعت من صحتها وهي تعيش تفاصيل القلق اليومي، ودفعت من عمرها وهي تدير حياةً كاملة في ظل معركة مفتوحة، ودفعت من استقرارها لأنها آمنت أن القضايا العادلة لا تُحمل بكتفٍ واحد. الحركة الوطنية في الكويت لم تكن خطابات فقط، بل حياة كاملة تُدفع من تفاصيل الناس. وفريال تمثل النموذج الأوضح للمرأة التي حملت نصف المشروع دون أن تطلب نصف الضوء. لم تظهر لتقول إنها ضحّت، لكنها كانت جزءاً من كل لحظة صمود، والحضور الذي لا يُرى لكنه يصنع الفرق بين الاستمرار والانكسار. وهنا يجب أن تُقال الحقيقة بلا مجاملة: ثبات عبدالله النيباري لم يكن بطولة فردية، بل كان قائماً على بيتٍ صلب، على امرأة آمنت بالموقف أكثر من الألم، وبالفكرة أكثر من الخوف. في كل مرة رفض فيها المساومة، وفي كل مرة دفع من صحته ثمناً لصلابته، كانت فريال تدفع معه الكلفة بصمت، دون أن تطلب منه أن يخفف حدّة المواجهة أو يختار طريقًا أقل قسوة. نحن كتبنا تاريخ المنابر ولم نكتب تاريخ من حموا المنابر من السقوط. كتبنا عن الصوت العالي، ونسينا القلب الذي كان يتحمّل الصمت، ويدير الحياة، ويحمي الرمز إنسانياً وهو يقاتل سياسياً. فريال الفريح ليست تفصيلاً عائلياً في سيرة عبدالله النيباري، وليست فقط أم رشا، بل هي الكلفة الإنسانية لصمود الرمز، وصورة للمرأة الكويتية التي كانت في قلب الوعي السياسي لا على هامشه. حين يُكتب التاريخ كما يجب سيُقال بوضوح: صمود الرموز لم يكن مجانياً، كان مكتوباً على صحة عبدالله النيباري، وعلى عمر فريال الفريح. هذه ليست كتابة وفاء، بل كتابة حق. حق امرأة عاشت النضال بكل ما فيه، دون أن تغيّر موقعها، ودون أن تساوم، ودون أن تطلب شيئًا لنفسها، لأن ذلك الرمز الذي بقي واقفاً كل هذه السنوات، لم يكن ليبقى كذلك لولا أن خلفه امرأة صمدت بالصمت... أكثر مما صمد هو في العلن.
مقالات - زوايا ورؤى
فريال الفريح... كلفة الموقف حين تدفعها امرأة ليبقى الرمز واقفاً
24-02-2026