يبقى اسم عوض دوخي من المُخلَّدين في عالم الغناء والموسيقى الكويتية، أجيال متتالية تطرب لسماعه، وتستعيد ذكريات جميلة عنه. وكما ينقل نجله عن المرحوم الشيخ جابر العلي الصباح، قوله: «جميع المطربين حينما يكبرون يتأثر صوتهم، وهذا أمر طبيعي، إلا عوض دوخي، كلما كبر زادت حلاوة صوته الرخيم».

من هنا جاءت رواية «دوخي... تقاسيم الصبا» للأديب طالب الرفاعي كعملٍ روائي ثري في مادته وحنينه، قدَّم سيرة فنية إنسانية للفنان عوض دوخي، الذي يُشبه «الآنتيك»- كما وصفه ابنه باسم، بلغةٍ شيقة ومحمَّلة بالموسيقى والذاكرة.

كان صاحب الرواية بارعاً في التقاط روح الفنان وزمنه، واستطاع استحضار ملامح المجتمع الكويتي في تحوُّلاته عبر صوت الغناء والتجربة الشخصية.

Ad

بدا النص مكثفاً أكثر مما توقعت. شاركني بالرأي أحد النقاد الكويتيين، بقوله: «ليت الكاتب أطال الوقوف عند بعض المحطات، وترك للنفس السردي مساحةً أوسع، كي نتوغل أكثر في تفاصيل التجربة الإنسانية الفنية».

ومع ذلك، فإن اختصار الرواية لم ينتقص من غنائيتها، بل ظلت ثرية في إشاراتها، الدافئة في نبرتها، والمخلصة لروح صاحبها، هي رواية تُقرأ بشغف، وتترك لدى القارئ شعوراً جميلاً بأننا اقتربنا من عوض دوخي، لكننا كُنا نرغب في البقاء معه.

عودة طالب الرفاعي إلى عالم السير الذاتية كانت بمنزلة اكتشاف جديد للقدرة على نقل وترجمة التجارب الإنسانية، وبلغةٍ معبِّرة عزف فيها لحن الجمال.

هذه الرواية قادتني إلى حكاية جائزة القصة القصيرة العربية، وهي تُحسب للزميل الرفاعي ودأبه على استمرارها، بعد أن بلغت دورتها الثامنة 2026، وخرجت من رحم الملتقى الثقافي الذي أسسه عام 2011 كتجمُّعٍ أدبي ثقافي مستقل.

لقد أدرك أهمية فن القصة القصيرة وعُمق تاريخ هذا الفن، وكما كتب الناقد السعودي محمد عباس، فقد كانت جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية أشبه بالانتباهة لإيقاظ فن يكاد يفقد صوته. وبفضل هذه الجائزة، التي انبثقت من الكويت، تمَّت إعادة بناء ذاكرة القصة العربية القصيرة، على حد تعبير الكاتب والقاص المغربي أنيس الرفاعي.

أعمال الجائزة تحوَّلت بالفعل إلى بنك توثيقي لمُنجز القصة العربية القصيرة، وهذا ما لمسناه في الدورة الأخيرة، من خلال إصدارات دوَّنت كل ما له علاقة بالفائزين، وكتاب مرجعي عن تاريخ القصة القصيرة في الكويت، بالتعاون مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

فتحت لنا تلك الإصدارات أرشيف الذكريات، من بينها الكُتيب التوثيقي عن الأديب فاضل خلف، الذي أعدَّه الباحث محمد فهد الفرس، وراجعه الأديب طالب الرفاعي. كان الرائد الأول في إصدار أول مجموعة قصصية في الكويت مع فهد الدويري وفرحان الفرحان، ويُعد فاضل خلف أول مَنْ أصدر مجموعة قصصية عام 1955 بعنوان «أحلام الشباب» غلب عليها الطابع الاجتماعي، وهي مكوَّنة من 137 صفحة، طباعة محمد صادق، ضمَّت 17 قصة.

كان للأديب فاضل خلف مجموعة مشاركات في صُحف ومجلات مصرية ولبنانية وعراقية في بداياته الأولى، ومن المربين الأوائل الذين زاولوا مهنة التعليم لمدة ثماني سنوات (الشرقية – المباركية – الصباح).

يُسجل له مساهمته في مجال الترجمة للأدب الأجنبي، وعمل باكراً في دائرة المطبوعات والنشر مع خالد القناعي وزملائه بتأسيس الجريدة الرسمية (الكويت اليوم).

سافر إلى بريطانيا للدراسة في أحد المعاهد التابعة لجامعة كمبريدج، وعندما عاد إلى الكويت قدَّم برامج إذاعية يُؤرخ فيها لمسيرة الأدباء الكويتيين، والتحق بالسلك الدبلوماسي كملحقٍ ثقافي للكويت في تونس لمدة 14 عاماً، وكان له ديوانه الشعري الأول «على ضفاف مجردة».

الحبيب صادق يلي

فقدنا الزميل صادق يلي هذا الأسبوع، رحمة الله عليه، فقد ترك بصمة خاصة في عالم الصحافة ومجلة «العربي» منذ أيامها الأولى، عزاؤنا لأسرتي يلي وبهبهاني.