في عالم الجراحة، غالباً ما تُسلَّط الأضواء على الجراح الذي يقف في قلب غرفة العمليات، مُمسكاً بمشرطه، ومستعداً لخوض معركة إنقاذ حياة مريض. غير أن ما لا يراه كثيرون هو الفريق المتكامل الذي يقف خلف هذا النجاح، وفي مقدمة هذا الفريق، طبيب التخدير- ذلك الجندي الهادئ الذي يعمل في صمت خلف الستار، لكنه يتحكَّم في أدق مفاصل العملية وأكثرها خطورة.طبيب التخدير ليس مجرَّد مَنْ «ينوِّم» المريض، كما يظن البعض، بل هو مسؤول عن إدارة حياة كاملة أثناء الجراحة. فمنذ لحظة دخول المريض غرفة العمليات وحتى استيقاظه بأمان في غرفة الإفاقة، يُراقب طبيب التخدير المؤشرات الحيوية بدقةٍ متناهية، يُوازن الأدوية، ويتدخل في اللحظة الحرجة، ليحافظ على استقرار الدورة الدموية والتنفسية. إنه الحارس غير المرئي الذي يضمن أن تمر كل لحظةٍ من العملية بسلام.وقد شهد علم التخدير في السنوات الأخيرة تطوراً مذهلاً، بفضل التكنولوجيا الحديثة وأجهزة المراقبة الذكية التي مكَّنت الأطباء من فهم أعمق للتفاعلات الدوائية والوظائف الحيوية لحظةً بلحظة، مما جعل هذا التخصص من أكثر مجالات الطب دقةً وإبداعاً. ومع ذلك، لا يزال التقدير المجتمعي لطبيب التخدير أقل من المكانة التي يستحقها.الاعتراف بدور طبيب التخدير ليس مجرَّد مجاملة مهنية، بل مسؤولية توعوية تجاه المجتمع لفهم أن نجاح أي عملية لا يعتمد على الجراح وحده، بل على منظومة متكاملة تعمل بتناغمٍ وثقةٍ عالية. فبينما يُمسك الجراح بيده أداة الإنقاذ، يتولَّى طبيب التخدير مراقبة القلب الذي لا يتوقف عن النبض طوال الرحلة.وهنا، أجد من واجبي أن أوجِّه تحية صادقة لزملائي أطباء التخدير والعناية المركَّزة، الذين نرفع ضغطهم في غرفة العمليات أحياناً- وليس دائماً- بسبب تعقيد بعض الحالات، فيقابلون الأمر بابتسامةٍ وهدوء، ويقودون الفريق بثباتٍ إلى بر الأمان... من غرفة العمليات إلى الجناح.رسالة أخيرة:في النهاية، لعل أجمل ما يميز الطب هو روح الفريق التي تجمع تخصصات مختلفة لهدفٍ واحد: إنقاذ حياة إنسان. فكل جراح ناجح، وطبيب تخدير متفانٍ، مع فني التخدير والهيئة التمريضية، يشكِّلون خيوطاً متشابكة في نسيجٍ واحد اسمه الحياة. ولن يكتمل احترامنا للطب إلا حين نُدرك أن البطولة الحقيقية تُكتب بأيدي الجميع، لا باسم واحد فقط.*رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الراس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية، وزارة الصحة

Ad