على الرغم من انتهاء تقديم الميزانيات ورقياً ودخول عصر الرقمنة، فإن الأعوام الماضية شهدت عملية تقديم الميزانيات لشركات الشخص الواحد صاحبتها عملية «تجميل» للميزانية عبر قيام بعض الشركات المحاسبية الدخيلة بإعداد الميزانية وفق أرقام مضخمة.

وتحدثت مصادر لـ«الجريدة» عن الميزانيات التي تقدم لقسم الشركات في وزارة التجارة والصناعة خصوصاً الشركات التي تعتبر صغيرة، وشركات الشخص الواحد، حيث إن الميزانية هي حجر الزاوية لاستمرارية تجديد الرخصة التجارية، مشيرة إلى أن هذه الفئة هي الأكثر عرضة لما يسمى بـ «تجميل الميزانيات».

Ad

وقال أحد المصادر الذين قدموا ميزانية خلال الفترة الماضية للسنوات 2022-2023-2024، ورفضت لأسباب مجهولة، إنه رغب بتجديد الرخصة حيث لا يمكن الاعتداد بها دون تقديم ميزانية معتمدة عن السنة المالية المنتهية، ولجأت إلى إحدى الشركات المحاسبية لإعداد ميزانية تناسب المتطلبات الحديثة.

وصدم المصدر أن الميزانية التي أعدت له بها أرقام غير صحيحة فعلياً، وأدرجت بها أصول لا يملكها، حيث قام مراقب الحسابات المرخص برفع البيانات المالية إلكترونياً على موقع الوزارة، لاسيما أنه يجب أن يتم التصديق على توقيع مراقب الحسابات من الوزارة لضمان صحة البيانات.

وأشار إلى أن شركته كالعديد من الشركات الصغيرة التي تعمل بنظام الشخص الواحد ولا تمتلك عمالة كبيرة ولا أصولاً ضخمة، وفي الوقت الذي أعدت ميزانية له أضيفت لها ممتلكات ومعدات وأثاث وديكور ليبلغ إجمالي الأصول، وهي غير حقيقية، 50 ألف دينار.

وبين المصدر أن تلك الشركات لا تمتلك نظاماً محاسبياً دقيقاً، مما يجعل تلك الشركات المحاسبية الدخيلة على المهنة تلجأ إلى تجميل الميزانية، وقد تكون غير صحيحة في بعض الأحيان، حيث إن غياب الدفاتر المحاسبية لكثير من الشركات الصغيرة التي لا تملك «سيستم» منتظماً طوال العام، مما يجبر بعض المكاتب المحاسبة على اللجوء إلى تلفيق ميزانية في نهاية السنة من واقع فواتير غير مكتملة.

ويعد 2026 العام الأخير الذي سيشهد تلك الممارسات غير الصحية، حيث أصبحت أنظمة التجارة أكثر صرامة في ملاحقة الميزانيات المتأخرة أو الوهمية، خصوصاً أنها قامت بتحديث سياستها منها وضع بلوك للشركات التي تتأخر في تقديم الميزانية يؤدي فوراً إلى وضع قيد على السجل التجاري، مما يعطل كل معاملات الشركة.

وفي حال ثبت أن الميزانية تتضمن بيانات كاذبة أو مضللة بقصد التدليس، تُحال الشركة ومراقب الحسابات إلى التحقيق، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالها، وضمن قوانين وزارة التجارة كذلك سحب الترخيص من الشركات التي تتخلف عن تقديم ميزانياتها لعدة سنوات متتالية، والتي تصل إلى 3 سنوات أو أكثر، مما يعرضها لخطر الشطب النهائي.

وذكر المصدر أن أصحاب الشركات يجب عليهم توخي الحذر عبر التعاقد مع مكتب تدقيق معتمد، الذي يطلب فواتير ومستندات حقيقية، لأن توقيع المدقق هو الضمان أمام الوزارة.

وتابع أن ما شهدته الفترة الماضية من «فوضى» في بعض الميزانيات كان نتيجة ثغرات في التقديم الورقي وضعف الرقابة اللحظية، أما بخصوص عام 2027،   فبدأت وزارة التجارة والصناعة التطبيق الاختياري لمنظومة «قيد» في يناير 2026، ومن المقرر أن يصبح التطبيق إلزامياً العام المقبل، ليكون القضاء على الميزانيات المجملة في طريقه الصحيح، خصوصا أن الوزارة بصدد مرحلة تطوير تقني وقانوني تجعل من الصعب جداً استمرار هذه الظاهرة كما كانت.

ومن الأسباب التي تجعل عام 2027 نقطة تحول لاندثار الميزانيات المضروبة في الكويت الزامية تطبيق نظام قيد XBRL، إذ إن الميزانية لن ترفع كملف PDF يمكن التلاعب به، بل كبيانات رقمية مهيكلة ومعيارية، حيث سيقوم النظام الجديد برصد الأخطاء المنطقية فوراً مثل عدم توازن الأصول مع الخصوم، وسيرفض أي ميزانية لا تستوفي المعايير المحاسبية الدولية آلياً.

وأشار المصدر إلى أنه لا يمكن لأي نظام في العالم القضاء على الاحتيال بنسبة 100%، لكن «تجارة الميزانيات» كظاهرة سهلة ومتاحة للجميع ستنتهي، وستصبح عملية «ضرب الميزانية» مغامرة غير محسوبة العواقب، وتكلفتها القانونية أكبر بكثير من أي ربح قد تحققه.

وتبذل وزارة التجارة والصناعة والجهات المعنية ذات الصلة مساعي حثيثة للحد من محاولات تجميل الميزانيات الرامية الى إظهارها على غير حقيقتها، وذلك من خلال تطبيق المعايير المحاسبية الدولية الجديدة على ميزانيات الشركات، خصوصا أن النظام الجديد يحوّل الأرقام المالية إلى بيانات رقمية قابلة للتحليل، بدل الملفات الورقية وملفات PDF، ويلزم جميع الشركات باستخدام مسميات موحّدة للقوائم المالية.

كما أن تطبيق XBRL سيرفع مستوى الرقابة، ويقلل الأخطاء والتلاعب، ويؤسس لبيانات مالية أدق تخدم الشركات والاقتصاد ككل.

ونوهت مصادر إلى أن تسليط الضوء على هذه الممارسات لا يمس بأي حال من الأحوال كفاءة ونزاهة الأغلبية العظمى من مكاتب التدقيق والمحاسبة المعتمدة، التي تلعب دوراً حيوياً كصمام أمان للاقتصاد الكويتي، بل إن ملاحقة الدخلاء على المهنة ومن يمارسون هذه التجاوزات الفردية يصب في مصلحة المحاسبين الذين يلتزمون بأقصى معايير الشفافية والأمانة المهنية، والذين يرفضون بشدة أي مساس بمصداقية البيانات المالية التي تعد مرآة للاقتصاد.

الجدير بالذكر أن «التجارة» أكدت، في بيان سابق، أن عدم الالتزام باستخدام النظام بعد تاريخ 1/ 1/ 2027 سيترتب عليه اتخاذ الإجراءات القانونية المنصوص عليها وفقاً لأحكام قانون الشركات رقم 1 لسنة 2016 ولائحته التنفيذية وكل القوانين والقرارات ذات الصلة، حيث أهابت الوزارة بجميع الشركات ومكاتب التدقيق إلى اتخاذ ما يلزم من استعدادات فنية وتنظيمية مبكراً، لضمان الامتثال الكامل لمتطلبات النظام في المواعيد المحددة.