«عنتر بن شداد»حقق نيازي مصطفى المعادلة الصعبة بين المضمون الجيد والنجاح الجماهيري، وتسابق المنتجون والنجوم للتعامل معه، واعتُبِرت أفلامه من أشهر العلامات الفنية في تطور السينما المصرية، منها «حميدو» (1953)، و«سر طاقية الإخفاء» (1959)، و«عنتر بن شداد» (1961)، و«رابعة العدوية» (1963)، وفيلماه الأخيران «القرداتي» و«الدباح» (1987)، ورحل قبل أن يراهما في دور العرض السينمائية.ويعد أول من صنع الخدع والحيل في السينما المصرية، وكان أبرز مخرج لأفلام المغامرات، وأول من استخدم الدوبلير في الأفلام العربية، وأول سينمائي مصري تخرّج في معهد أكاديمي في ميونيخ بألمانيا عام 1932، وتحرر من قيود التصوير في الأماكن المغلقة، وانطلق بالكاميرا في الشوارع، وعبر عن سمات المجتمع المصري في مراحل تاريخية مختلفة.وأدى المخرج الراحل دورا رياديا مهما في اكتشاف المواهب الفنية، ويعد الأب الروحي للجيل الذهبي من المخرجين، منهم صلاح أبوسيف وكمال الشيخ وفطين عبدالوهاب وتوفيق صالح وعاطف سالم ويوسف شاهين، وذكر الأخير في لقاء تلفزيوني أنه قبل عمله بالإخراج كان يتلصص على أداء نيازي مصطفى أثناء تصويره لأفلامه في استديو مصر، وأنه يتمتع بكاريزما طاغية في «البلاتوه». الشاشة الصغيرةواتجه نيازي إلى الشاشة الصغيرة في مرحلة متقدمة من مسيرته الفنية، وأخرج المسلسل التلفزيوني «هروب» (1976)، تأليف مدحت السباعي وسيناريو نبيل غلام، وبطولة نور الشريف وجميل راتب ومنى جبر ومحمد وفيق وأحمد عبدالوارث، ويدور حول نقل مساجين خطرين من السجن العام لسجن في الصحراء المصرية تحت قيادة المقدم فريد البهنساوي، وفي أثناء جلوس المساجين للراحة وسط الصحراء ليلا، ينفجر لغم ويموت عدد من العساكر، ويبدأ البهنساوي رحلة البحث لإرجاع المساجين الخطيرين الذين كانوا في عهدته من خلال عدد من المغامرات المشوقة.وبعد عامين أخرج مسلسل «جحا وبنات شهبندر التجار» من تأليفه، وبطولة سعيد صالح ويسرا وحسن مصطفى وكوكا وحسن حامد وأحمد راتب، ويدور المسلسل في إطار خيالي حول «جحا» الشخصية الأسطورية، الذي يقوم بإنقاذ بنت الشهبندر، ويقع في حبها، ويتقدم للزواج منها، لكن الشهبندر يطلب منه إحضار سبعة عرسان لبناته السبع.كما أخرج نيازي المعارك الحربية في مسلسل «الفتوحات الإسلامية» (1981)، سيناريو سيد موسى ورياض العريان وبطولة كوكبة من النجوم، منهم حمدي غيث وفاروق الفيشاوي وإلهام شاهين وسناء مظهر، ويتناول العمل في إطار تاريخي فتوحات الرسول الكريم، ونشر الإسلام في أرجاء العالم. معهد ميونيخولد نيازي محمد مصطفى أحمد في 11 نوفمبر 1910، بمحافظة أسيوط، لأب سوداني وأم تركية، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا استطاع أن يقنع أسرته بالسفر إلى ألمانيا لدراسة الهندسة، ولما وصل إلى مدينة ميونيخ التحق بالمعهد العالي للسينما لدراسة التصوير والإخراج السينمائي، وتدرب بعد تخرجه باستديوهات «أوفا» في برلين.وبعد عودته إلى وطنه، التحق باستديو مصر، وترأس قسم المونتاج، وفي ذلك الوقت عمل مساعدا للإخراج مع الفنان يوسف وهبي في فيلم «الدفاع» (1935)، وتم تكليفه بالإشراف على الأعداد الأولى لجريدة مصر الناطقة الذي قرر استديو مصر إنتاجها، وعمل كمونتير وكاتب سيناريو في العديد من الأفلام السينمائية. «سلامة في خير»وتفرغ نيازي للإخراج، وكان أول أفلامه «سلامة في خير» تأليف بديع خيري وبطولة نجيب الريحاني وحسين رياض وراقية إبراهيم واستيفان روستي، وعرض الفيلم في 29 نوفمبر 1937، وحقق نجاحا كبيرا، مما دفع الريحاني إلى التراجع عن اعتزاله السينما، ويحتل هذا الشريط السينمائي المركز رقم 76 في قائمة أفضل مئة فيلم مصري.والتقى نيازي نجيب الريحاني مجددا في فيلم «سي عمر» تأليف بديع خيري، لكن الخلاف دبَّ بين المخرج الشاب والنجم الكوميدي بسبب تدخّل الأخير في السيناريو، وتعطّل التصوير لعام ونصف، حتى تم عرضه في 6 يناير 1941، وحقق إيرادات عالية، ويحتل هذا الفيلم المركز 81 في قائمة أفضل مئة فيلم مصري.وادي النجوموأخرج نيازي مصطفى وكتب السيناريو لفيلم «مصنع الزوجات» عن قصة للكاتب فهيم حبشي، وبطولة كوكا ومحمود ذوالفقار ودولت أبيض وأنور وجدي، ويتناول الفيلم قضية تحرير المرأة، ويعد أول فيلم مصري تظهر فيه الخدع السينمائية، وعرض في 9 أكتوبر 1941، واصطدم بحملات صحافية شرسة حينها، وخرجت تظاهرات نسائية تهاجمه بتهمة التحريض على تحرير المرأة ودعوته لممارسة حقوقها السياسية، ولم يصمد الفيلم طويلا في دور السينما، لدخوله في مشكلات مع الرقابة.والتقى النجمة عزيزة أمير في فيلم المغامرات «وادي النجوم» (1943)، سيناريو أحمد شكري، وشارك في البطولة سراج منير ومحمود ذوالفقار ومحسن سرحان وبشارة واكيم، وتدور الأحداث حول الشقيقين عدلي ورؤوف من هواة المغامرات، ويرتحلان إلى جزيرة بعيدة عن العمران، وهناك يواجهان العديد من المآزق، ويبحثان عن طريق آمن للعودة.وتتابعت رحلة نيازي مع الخدع السينمائية، وأخرج «طاقية الإخفاء» (1944) سيناريو وحوار عباس كامل وأبوالسعود الإبياري، وبطولة الفنانة تحية كاريوكا وبشارة واكيم ومحمد الكحلاوي وفردوس محمد، وتدور القصة حول «المعلم عباس» الذي يحلم بالثراء، ويعثر على طاقية الإخفاء ويستخدمها لسداد ديونه ومتابعة كل من حوله دون أن يراه أحد، لكن الطاقية تقع في أيدي لصوص، فيسيئون استخدامها.وبعد مرور 15 عاما استعاد نيازي أصداء نجاح «طاقية الإخفاء» في النسخة الثانية «سر طاقية الإخفاء» (1955) سيناريو عبدالحي أديب، وبطولة عبدالمنعم إبراهيم وتوفيق الدقن وزهرة العلا وبرلنتي عبدالحميد وأحمد فرحات، ويدور الفيلم في أجواء خيالية حول عصفور، الذي يعمل في محل والده العطار، ويتسبب في ظهور عفريت، لكنه يحترق مخلفا بودرة تخفي ما تقع عليه، وتتعرض طاقية لهذه البودرة وتكتسب خاصية تخفي من يرتديها، فيقوم باستعمالها، لكن يكتشف عدوه السر، ويبدأ باستخدام الطاقية ضده. «أنا الهارب»وجمعت شراكة فنية بين المخرج نيازي مصطفى والنجم فريد شوقي، وحصد ملك الترسو معظم بطولات أفلامه ذات طابع الأكشن والمغامرات، وحققت جماهيرية كبيرة، ومن أشهرها «حميدو» (1953)، و«رصيف نمرة 5» (1956)، و«سواق نص الليل» و«أبو حديد» (1958)، و«أنا الهارب» (1962) و«فارس بني حمدان» و«شياطين الليل» و«30 يوم في السجن» (1966) و«بلا رحمة» (1971)، واستمر التعاون بينهما حتى «الدباح» (1987) آخر أفلام مصطفى، وعرض بعد شهور من رحيله.وخاض نيازي تجربة سينمائية استثنائية مع النجم عمر الشريف في «فضيحة في الزمالك» قصة فتحي أبوالفضل وسيناريو عبدالحي أديب، وشارك في البطولة مريم فخرالدين ومحمود المليجي وبرلنتي عبدالحميد ومحسن سرحان، ويدور في إطار الجريمة والغموض، وعرض الفيلم لأول مرة في 23 يناير 1959، واستمر في دور السينما لأسابيع طويلة.أخطر رجل في العالموقدم المخرج الراحل مجموعة من الأفلام الكوميدية الناجحة، منها «إسماعيل ياسين طرزان» (1958)، و«صغيرة على الحب» (1966)، بطولة سعاد حسني ورشدي أباظة، والتقى نجمي الكوميديا فؤاد المهندس وشويكار في أفلام عدة، منها «أخطر رجل في العالم» (1967)، و«العتبة جزاز» (1969)، و«انت اللي قتلت بابايا» (1970). القفص الذهبيوتزوج نيازي مصطفى من الفنانة كوكا، وكانت مساعدته وزميلته في قسم المونتاج باستديو مصر، ونشأت بينهما قصة حب توجت بدخولهما القفص الذهبي، وساهم في نجوميتها، واشتهرت بشخصية الفتاة البدوية في بعض أفلامه، منها «عنتر يغزو الصحراء» (1960) و«عنتر بن شداد» (1961)، و«بنت عنتر» (1964).ولم يكتب لهما الإنجاب، وأكد لها الأطباء استحالته، وهو ما جعل كوكا تطلب من زوجها أن يرتبط بامرأة أخرى تستطيع أن تنجب له، وبعد إصرارها وإلحاحها وافق مصطفى على الارتباط بسيدة أخرى، ووقع الاختيار على الفنانة نعمت مختار، التي شاركت في بعض أفلامه، منها «الفارس الأسود» (1954) و«أنا الهارب» (1962)، لكنه انفصل عنها بعد أن أخفق في تحقيق حلمه، وعاد إلى زوجته الأولى كوكا بعد علمه بأنها مصابة بالسرطان، ليظل بجوارها حتى لحظاتها الأخيرة.وظل واقفا خلف الكاميرا حتى شارف على الثمانين، ويفيض بالنشاط والتوهج الإبداعي، وتراكمت لديه العديد من المشاريع الفنية المؤجلة، وبعد مسيرته الطويلة مع السينما، رحل المخرج الرائد على نحو مأساوي، تاركا بصمة متفردة لا تمحى في ذاكرة الملايين من عشاق أفلامه في أرجاء العالم العربي. رحلة حافلة بالجوائز والتكريماتحصل المخرج الراحل على العديد من الجوائز، منها تكريم الدولة المصرية لإسهاماته الفنية المتميزة، وذلك في عيد العلم عام 1956، وحصل على الشهادة الذهبية من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما في 1976، وكرّمه المركز الكاثوليكي عن مجمل أعماله في 1977، ونال جائزة الريادة من الجمعية المصرية لفن السينما عام 1986.كما اختار له نقاد عام 1996 فيلمين أخرجهما ضمن أفضل مئة فيلم مصري، وهما «سلامة في خير» و«سي عمر»، وأعيد اختيارهما عام 2022 مع 6 أفلام أخرى ضمن أفضل مئة فيلم كوميدي مصري في مهرجان الإسكندرية السينمائي، وفي الدورة التالية للمهرجان، تم اختيار 4 أفلام له ضمن أفضل مئة فيلم غنائي مصري.رسالة تكشف رؤيته للنهوض بالفيلم المصريقام نيازي مصطفى بدور ريادي في الارتقاء بالسينما المصرية، وفي فترة الثمانينيات، تراجع الإنتاج بشكل غير مسبوق، وانتشرت موجة «سينما المقاولات» ووقتها توجه المخرج المخضرم برسالة إلى وزير الثقافة المصري ـ آنذاك ـ عبدالحميد رضوان، مقترحا وسيلة عملية وغير مكلفة للنهوض بالفيلم المصري، وذلك ببناء دور عرض كثيرة، ولا يشترط أن تكون كبيرة أو فخمة، التي يطلق عليها في الدول الأجنبية «سينما الحي»، وهذه الفكرة يمكن تنفيذها، لأنها لا تحتاج إلى مساحة أرض كبيرة أو تأسيس فخم، وبهذا الشكل تكون الفرصة متاحة أمام الفيلم المصري لكي يُعرض في أكثر من مكان، وبالتالي سيحقق إيرادات عالية.وتابع في رسالته: «عندما يرتفع الإيراد تتحسن صناعة السينما، وفي الوقت ذاته نستطيع التخلص من سلطان أو تحكُّم أي موزع أجنبي يشترط علينا أي شروط، وبهذا نضمن أن نحقق تكاليف إنتاج الأفلام من إيرادات العرض الداخلي فقط، ونصبح أحرارا في بيع الأفلام للخارج بأي طريقة ممكنة، وهذا هو الحل الوحيد لنشر صناعة السينما على أوسع مجال، ولا يوجد بديل آخر».
ملصق «مصنع الزوجات»