هل تتجه كندا إلى التفكك؟ سؤال يبدو درامياً في ظل استعداد مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط لطرح استفتاء على الاستقلال، مع تململ مشابه في ساسكاتشوان، وحلم انفصالي مزمن في كيبيك. قد يُغري المشهد بالمقارنة مع «بريكست» أو صعود Donald Trump أو حرب Vladimir Putin في أوكرانيا. لكن القراءة الأهدأ تقول العكس: ما يحدث في كندا قد يكون علامة على عودة العالم إلى قدر من التعقل في ملفي الطاقة والمناخ.

قبل سنوات قليلة، بدت ألبرتا في مواجهة مفتوحة مع شرق البلاد بسبب النفط وخطوط الأنابيب. اليوم تغيّر المزاج. أسعار العقارات وبناء المساكن ارتفعت بقوة، وتدفُّق الباحثين عن العمل من داخل كندا وخارجها أعاد الحيوية إلى المقاطعة، حتى ارتفاع البطالة له جانب إيجابي هنا، إذ يعكس توسّع سوق العمل لا انكماشه.

التحول الحاسم جاء في مايو 2024 مع تشغيل توسعة خط «ترانس ماونتن» بعد سنوات من التعطيل القانوني والبيئي. هذا الخط أتاح لنفط ألبرتا منفذًا أوسع إلى آسيا، بدل الارتهان لسوق الغرب الأوسط الأميركي المتخم، حيث هبط سعر البرميل عام 2018 إلى 10 دولارات، بسبب اختناقات النقل. النتيجة واضحة: إنتاج قياسي مرشح للزيادة بنحو 25% خلال السنوات المقبلة، عادت ألبرتا محرّك الاقتصاد الكندي.

Ad

المفارقة أن المشروع بدأته شركة أميركية ثم استحوذت عليه حكومة Justin Trudeau بعد تعثره، متحمّلة كلفة تجاوزات كبيرة. واليوم يعزّز رئيس الوزراء Mark Carney هذا المسار باتفاق يمهّد لخط ثانٍ، ويسمح لناقلات أكبر بالوصول إلى الموانئ الغربية، ويوفّر قدراً من اليقين الضريبي والتنظيمي. الرسالة: لا يمكن إدارة اقتصاد حديث بشعارات خضراء منفصلة عن الواقع الجيوسياسي.

كنتُ قد ربطتُ في 2019 بين أزمة ألبرتا ومسلسل Okkupert النرويجي، الذي تخيّل استيلاءً روسياً على قطاع الطاقة بدعم أوروبي بعد تهديد حزب الخضر بوقف الغاز. آنذاك بدا السيناريو تحذيراً معقولاً من سياسات مناخية تُضعف أمن الطاقة. اليوم يبدو العمل انعكاساً لمرحلة تتراجع.

يمكن تسمية ذلك تراجعا عن «ميركلية»ٍ بالغت في الوعود المناخية وتجاهلت كلفة الطاقة والأمن. اللافت أن كارني نفسه كان عام 2015، بصفته محافظ بنك إنكلترا، نجما عالميا لتحذيره من تسعير ناقص لمخاطر المناخ، لكن الواقع كشف أن الأسواق كانت تسعّر بدقة نفاق الحكومات: إنفاق أخضر وإشارات فضيلة بلا أثر يُذكر على المناخ، مقابل تجاهل لمتطلبات البنية التحتية.

حرب أوكرانيا كانت صدمة الارتداد، لكنها أطلقت أيضا تصحيحا. كارني اليوم يتحدث عن كندا «قوة عظمى في الطاقة» تسهم في استقرار العالم، وتهدئة التوتر الداخلي، فألبرتا تضم رابع أكبر احتياطي نفطي عالمياً، ومن غير المنطقي حصارها ببنى تحتية معطّلة، بينما يرفض المستهلكون التخلي عن أنماط حياتهم كثيفة الطاقة.

الخلاصة أن الديموقراطيات، رغم صخبها و«القطائع» التي تخيفنا، تميل إلى تصحيح مسارها. المجتمعات المعقّدة، المبنية على مبادرات ملايين الأفراد، تجد توازناً جديداً حتى بعد العواصف، لذا، بدل الهلع من حديث الانفصال في كندا، قد يكون الأجدر رؤية ما يجري كإشارة إلى أن العالم - على غير ما يبدو- يسير نحو قدر أكبر من الاستقرار والواقعية.

هولمان دبليو جنكينز الابن *