فور دخول شهر رمضان المبارك، «شهر الخير»، تنقلب موازين الوقت لدى الناس وكذلك الأنشطة التجارية، فيهدأ صخب النهار المعتاد وتتحول الشوارع إلى لوحة من السكينة، وما إن تدقّ ساعة الإفطار حتى تنبض الأسواق بروح جديدة، فتتحول المجمعات والمراكز التجارية إلى خلايا نحل لا تهدأ حتى مطلع الفجر، بعد أن كانت تُحدّد لها أوقات قبل دخول منتصف الليل، وبالتأكيد لكونه شهراً لا تشبه فيه عقارب الساعة أي وقت آخر من السنة، تعدّ بلدية الكويت العدة والتقديرات في رسم الأوقات المناسبة للأنشطة لتجارية، وما بين الأيام العادية ورمضان، تعطي البلدية أكبر عدد من ساعات العمل والفتح والإغلاق في أوقات الإفطار. 

فلسفة المواعيد

ومع متابعة تعاميم البلدية التي تصدرها سنوياً خلال شهر رمضان بشأن تغيير الوقت، فإن تغيير مواعيد الأنشطة التجارية في رمضان بالنسبة للجهة المشرفة على مراقبة الأنشطة، ليس مجرد إجراء إداري لتخفيف ساعات العمل، بل هو تعبير عن فلسفة مجتمعية عميقة توازن بين الروح والمادة، وتتمثل أولاً في مركزية العبادة وجعل «الوقت الذهبي» من الفجر وحتى الغروب مخصصاً للسكينة والإنتاجية الهادئة والعبادة، بعيداً عن صخب الاستهلاك.

Ad

لذا، ينحسر النشاط التجاري نهاراً ليسمح للمجتمع بالتركيز على الجانب الروحاني وصون حُرمة الصيام، كما تنظر البلدية إلى أن ثقافة الحياة الليلية الرمضانية تعيد في الكويت إحياء مفهوم المجتمع الليلي، حيث يتحول الليل إلى فضاء للروابط الاجتماعية، الغبقات والزيارات والنشاط الاقتصادي، هذه الفلسفة تخلق نوعاً من «الاقتصاد الاجتماعي»، حيث لا يذهب الناس للتسوق من أجل الشراء فقط، بل من أجل التنزّه ولقاء الأهل والأصدقاء بالمجمعات والأسواق، مما يجعل من السوق «ديوانية كبيرة» تحتوي الجميع، كما أن هذه المواعيد تعكس ذكاءً في التعامل مع المناسبات، فتقليص النشاط نهاراً يحمي الصائمين والعاملين من الإجهاد الحراري، وينقل ذروة الحركة إلى ساعات المساء اللطيفة، مما يحافظ على حيوية الدورة الاقتصادية، من دون المساس بسلامة الأفراد. 

ولا يقتصر دور بلدية الكويت في رمضان على تنظيم الأوقات فحسب، بل يتحول مفتشوها إلى «خلية طوارئ» لضمان الالتزام بقدسية الشهر ومعايير الجودة.

حملات «الالتزام» بالنهار

تكثف البلدية جولات التفتيش منذ الصباح الباكر، للتأكد من عدم فتح المطاعم أو المقاهي أبوابها للجمهور قبل الموعد المسموح به قبل الإفطار بساعتين للتجهيز فقط، وتحرير مخالفات فورية لمن «يُجاهر بالإفطار» أو يقدم خدمات للجمهور في نهار رمضان، وإزالة الإشغالات الرمضانية، وتراقب البلدية وضع «بسطات» القرقيعان والحلويات والخيام الرمضانية أمام المحال، للتأكد من حصولها على التراخيص اللازمة، وعدم تسببها في عرقلة حركة المرور بالمناطق المزدحمة.

أما عن تأثير تغيير المواعيد على الناس والمجتمع، فقد اعتاد الناس في الكويت تأجيل مشترياتهم المهمة إلى ما بعد الإفطار، مما يجعل المناطق الاستثمارية والتجارية في حالة ازدحام شديد منذ الساعة 8 مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، لكن قبل أذان المغرب بساعة، تختفي المظاهر التجارية في الشوارع، لتتحول إلى «ماراثون» سيارات للوصول إلى موائد الإفطار، وهي الفترة التي تشهد أعلى درجات الحذر المروري.

انتعاش الأسواق الشعبية

تستعيد أسواق مثل «المباركية» ألقها القديم، حيث يفضّل الناس قضاء ليالي رمضان في أجواء تراثية بين محال العطور والبهارات والمقاهي الشعبية التي تظل عامرة حتى قرب وقت السحور.

إن التزام الأنشطة التجارية بتعاميم البلدية ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو احترام للهوية الثقافية والدينية للكويت، حيث يتناغم الجميع تجاراً ومستهلكين ومفتشين لتقديم نموذج فريد في إدارة الوقت والحياة خلال أزكى شهور السنة وأجملها. 

الجمعيات التعاونية والصيدليات... استثناء من الوقت

يسيطر الهدوء على أغلب المحال، إلا أن هناك أنشطة تجارية وخدمية حيوية تظل تعمل بنظام الـ 24 ساعة، وهي المستثناة عملياً من قيود الإغلاق المسائي المبكر أو السكون النهاري، وتعتبر هذه الأنشطة حاجة ضرورية للمستهلكين، فتظل الجمعيات التعاونية في مختلف مناطق الكويت هي «القلب الذي لا يتوقف»، حيث تستمر في استقبال المستهلكين على مدار الساعة، لتوفير المستلزمات الغذائية والتموينية، خاصة في ساعات ما بعد منتصف الليل التي تشهد إقبالاً كبيراً من المتسوقين الراغبين في تجنّب زحام الظهيرة، بينما تعتبر الصيدليات نشاطاً تجارياً وخدمياً حيوياً لا يخضع لساعات العمل الرمضانية، حيث تستمر في تقديم الدواء والمستلزمات الطبية للمواطنين والمقيمين في أي وقت، وهو أمر تراقبه وزارتا الصحة والبلدية، لضمان توافر الخدمة وجودتها.

وتظل محطات الوقود وخدمات السيارات السريعة تعمل بكامل طاقتها، لتزويد المركبات بالوقود، إضافة إلى مراكز الخدمة السريعة، التابعة لها، والتي توفر السلع الضرورية للمسافرين أو العائدين من السهرات الرمضانية، وكذلك الأمر المستحدث أخيراً، تطبيقات التوصيل والخدمات اللوجستية، فرغم توقّف المطاعم عن تقديم الطعام نهاراً، فإن «منصات التوصيل» تظل في حالة تأهب تقني وإداري طوال اليوم، لتبدأ ذروتها القصوى مع اقتراب موعد الإفطار وحتى وقت السحور، مما يجعلها «نشاطاً تجارياً رقمياً» لا ينام.