في السابق، كانت دعوة زواج واحدة في الشهر تُعد مناسبة مبهجة، أما اليوم فلكثرة الدعوات تحتار: من تحضر أولاً؟ وكيف تنسّق بينها؟ حتى أصبحت حفلات الزواج مصدر إزعاج حقيقي، خصوصاً إذا صادفت يوم خميس أو جمعة. فلا تدري: أتبقى مع أسرتك في المزرعة أو الشاليه، أم «تخربط» جدولك وتنزل إلى المدينة بعد عناء أكثر من 80 كيلومتراً، من أجل دقيقتين تقف فيهما أمام والد العريس لتقول: «مبروك»!
الأمر الآخر هو أن حفلات الزواج أصبحت مكلفة بشكل مبالغ فيه، خصوصاً عند بعض أبناء القبائل، فتأجير القاعة لا يقل عن 3000 دينار مع الديكور، فضلاً عن العشاء والحلويات، ثم يأتي المهنئ يُسلّم ويبارك ويأخذ صورة ويمضي، لتكون نهاية هذا البذخ أطعمة وحلويات تُلقى في الحاويات! وهذا إسراف، والله لا يحب المسرفين.
اليوم تمددت العوائل والقبائل، فزادت المناسبات، لكن انشغال الناس وتسارع الحياة يحتمان علينا إعادة النظر. فلتكن حفلات الزواج مقتصرة على العائلة والمقربين فقط، أولاً: تخفيفاً على الناس، وثانياً: راحةً لذوي العريس، وثالثاً: ابتعاداً عن الإسراف، فكلما كان حفل الزواج أبسط وأقل تكلفة زادت بركته بإذن الله.
والمغالاة في المهور والمباهاة بالكثرة أمور مذمومة في الإسلام، وقد جعل الشرع قلة المهر دليلاً على يمن الزوجة وبركة النكاح، فقال النبي ﷺ: «أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة»، وفي رواية: «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة». ولما تزوج عبدالرحمن بن عوف، رضي الله عنه، سأله النبي ﷺ عن المهر، فلما أخبره قال: «بارك الله لك، أولِم ولو بشاة»، وقد استنبط العلماء من هذا الحديث عدم جواز الوصول إلى حد الإسراف والتبذير في الوليمة.
ثم إن الحفل إذا اقتصر على الأهل والجيران - وأقيم في الديوانية مثلاً - كان أكثر راحة، ومدته لا تتجاوز ساعتين، أما في القاعات والدعوات العامة فقد تقف خمس ساعات أو أكثر تستقبل المهنئين. أحد الأصدقاء زوّج ابنه في إحدى القاعات، حضرت الحفل، وفي اليوم التالي زرته في المستشفى بسبب الإرهاق، خصوصاً أنه يعاني الضغط! كما أن الدعوة العامة بوابة محتملة لانتشار العدوى، فوالد العريس واخوته يستقبلون ما لا يقل عن 400 شخص، فهل تضمن أن بينهم من لا يحمل إنفلونزا أو مرضاً معدياً؟
زمن التباهي بعدد الحضور انتهى، والتبذير ليس محموداً، فاجعل حفل زواج ابنك مقتصراً على الأقرباء والجيران، لتُريح الناس، وتُريح نفسك، وتحافظ على صحتك. ولينتهِ الحفل وأنت سعيد، لا مرهقاً متعباً... وربما على سرير مستشفى... خففوا يبارك الله لكم.