طال مخرج الروائع اتهام آخر بإفساد روايات الأديب نجيب محفوظ، ودافع الإمام عن رؤيته الإخراجية لأعمال صاحب نوبل خاصة التي قدّمها في 3 أفلام «بين القصرين» (1964)، و«قصر الشوق» (1967)، و«السكرية» (1973)، وذكر المخرج أن تحويل رواية من مئات الصفحات إلى فيلم مدته ساعة ونصف يتطلب رؤية خاصة وتغييرات درامية ضرورية، وأيّده في ذلك محفوظ نفسه، ودافع عنه، وقال إن الإمام استطاع أن يقرأ ما بين السطور، وأن يترجم جوهر الرواية على الشاشة بصدق.
قصة «مخرج الروائع المظلوم» مع «الثلاثية»، بدأت بعد اعتذار المخرج صلاح أبوسيف عن عدم إخراجها، لانشغاله بعمله رئيسًا لأول شركة سينمائية قطاع عام (فيليمنج) في الفترة من 1961 إلى 1965، ورشح بدلًا عنه زميله المخرج حسن الإمام.
وتُعد أفلام «الثلاثية» من كلاسيكيات السينما المصرية، وساهمت عناصر عديدة في نجاحها، منها براعة الإخراج والسيناريو، والموسيقى التصويرية للموسيقار علي إسماعيل، وعبّر خلالها عن نبض المجتمع المصري في العشرينيات والثلاثينيات، واستطاع الإمام أن يعيد اكتشاف موهبة النجم يحيى شاهين في دور أحمد عبدالجواد، أو «سي السيد»، وأيضًا الفنان عبدالمنعم إبراهيم في شخصية ياسين، وصلاح قابيل في دور فهمي، وآمال زايد في دور الأم أمينة، وظهر نور الشريف لأول مرة على الشاشة في الفيلم الثاني «قصر الشوق» والثالث «السكرية»، وأسند إليه «مكتشف النجوم» دور كمال عبدالجواد، وظهر أيضًا الفنان عزت العلايلي لأول مرة في الفيلم الأول «بين القصرين».
اكتشاف الـ «دون جوان»
يعتبر فيلم «دلال المصرية» (1970)، للمخرج حسن الإمام نقطة انطلاق حقيقية للفنان حسين فهمي في عالم السينما، بعد دراسته الإخراج في الولايات المتحدة، وعودته إلى مصر، والعمل مساعدًا للمخرج يوسف شاهين في فيلم الأرض، ووقتها كان الإمام يبحث عن وجه جديد لفيلمه، وشاهد فهمي، ورأى فيه مواصفات النجم السينمائي، ومنحه دور البطولة أمام ماجدة الخطيب وهدى سلطان وصلاح قابيل، ولاقى هذا الشريط السينمائي نجاحًا كبيرًا.
وأضحى الطريق مُعبّدًا أمام الوجه الجديد، ليصبح «دون جوان» السينما المصرية، وأسند إليه الإمام دور البطولة أمام السندريلا سعاد حسني في «خلّي بالك من زوزو» (1972)، وحقق الفيلم إيرادات خيالية، واستمر عرضه عاما كاملا، واختير ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.
وبعد نجاح هذا الفيلم، سطعت نجومية حسين فهمي، وتسبّب المخرج حسن الإمام في تراجع الـ «دون جوان» عن تحقيق أحلامه في الإخراج السينمائي، وبسبب نجاحه في التمثيل، رفض المنتجون إعطاءه فرصة للإخراج، وذكر فهمي أنه خاض تجربة إخراج فيلم تسجيلي في بداية حياته الفنية، لكنه لم يكتمل.
«أميرة حبي أنا»
واستمرت الشراكة الفنية بين فهمي والإمام في سلسلة من الأفلام الناجحة، منها «حب وكبرياء» (1972)، وشارك في بطولته محمود ياسين ونجلاء فتحي ومديحة كامل، و«أميرة حبي أنا» (1975)، وشهد هذا الفيلم لقاءه الثاني مع سعاد حسني، وأراد الإمام أن يستثمر نجاح الثنائي في «خلّي بالك من زوزو»، لكن «أميرة» حقق نجاحًا محدودًا، قياسًا بفيلم «زوزو» واستمر عرضه 6 أسابيع، وبلغت إيراداته حوالي 50 ألف جنيه مصري، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت.
وأطلق فهمي على الإمام لقب «ملك الكاميرا»، وسُئل الإمام عن معنى اللقب فردّ بتواضع شديد: «الكاميرا بالنسبة لي هي حديث بين الشخصيات، فالكاميرا تحيا معهم، هي الصدق الناقل لمشاعرهم إلى كل الناس».
الترجمة والفن
وُلِد حسن الإمام في 6 مارس عام 1919 بمدينة المنصورة (شمال شرق القاهرة)، وكان والده يعمل بالتجارة، وتعلّق حسن بالفنون في وقت مبكر، وأثناء دراسته في مدرسة الفرير الثانوية بالقاهرة، مارس العديد من الأنشطة الفنية والثقافية كالموسيقى والتمثيل وكتابة الشعر، وشاهد العديد من مسرحيات فرقة رمسيس، وكان مثله الأعلى الفنان يوسف وهبي.
وفي تلك الفترة، تلقّى صدمة موجعة، إثر رحيل والده المفاجئ بعد أن خسر ثروته، واضطر في سن السابعة عشرة للعمل، وتخلّى عن استكمال دراسته العليا، وقرر دخول مجال الفن، وكان لا يملك سوى موهبة الكتابة والتمثيل وإتقان اللغتين الفرنسية والإنكليزية. وبدأ حياته الفنية مترجمًا للنصوص الأجنبية والمونولوجات المسرحية التي كان يدرسها بالفرنسية للمؤلف موريس شيفالييه.
وحصل الإمام على فرصة ذهبية، عندما اتخذه يوسف وهبي مساعدًا له في الإخراج لفرقة رمسيس المسرحية، وأسند إليه ترجمة بعض النصوص الأجنبية، وذكر الإمام في العديد من حواراته، أنه يدين بالفضل الأول في نجاحه إلى يوسف وهبي، الذي علّمه كيفية اختيار قصصه، وكيف يكون قائدًا في البلاتوه.
«القرش الأبيض»
واتجه الإمام للسينما، ولم يتكبّر على أي عمل مهما كان متواضعًا، وتدرّج من «عامل كلاكيت» إلى مساعد لبعض المخرجين، ومثلما كانت اللغة سببًا في عمله مع الفنان يوسف وهبي، فقد اختاره المخرج نيازي مصطفى ليكون مساعدًا له في فيلم شارع محمد علي (1944)، و«حسن وحسن» (1945)، وفي العام نفسه اختاره المخرج إبراهيم عمارة مساعدًا له في فيلم القرش الأبيض، وفي العام التالي قدّم الإمام آخر أعماله كمخرج مساعد مع المخرج أحمد جلال في فيلم عودة الغائب، واكتسب خبرات مهنية عدة في هذا المجال، وتوثقت علاقته بالفن السينمائي على حساب عشقه الأول، المسرح.
عاشق المسدح
وذكر مخرج الروائع في أحد حواراته أنه عاشق للمسرح ويحب السينما، والفرق أن العشق يدوم على مدى العمر، بينما حبه للسينما تشكّل بتكريس حياته المهنية خلف الكاميرا، ورغم انشغاله داخل «البلاتوه»، فقد كان يجرفه الحنين إلى «التياترو»، ولذا أخرج بعض المسرحيات في فترة متقدمة من مسيرته الفنية، منها المسرحية الكوميدية «يا حلوة متلعبيش بالكبريت» (1974)، وشارك في بطولتها هدى سلطان وسهير البابلي وسيد زيان.
قرر الإمام في عام 1947 أن يخوض أولى تجاربه السينمائية بكتابة سيناريو وإخراج «ملائكة في جهنم»، بطولة زوزو حمدي الحكيم وسراج منير وزوز شكيب والنجمين الصاعدين وقتذاك فاتن حمامة وفريد شوقي، ودارت أحداثه في أجواء ميلودرامية.
وفي العام ذاته، أخرج الإمام فيلمه الثاني «الستات عفاريت»، المقتبس من مسرحية الشبح للكاتب المسرحي البريطاني نويل كوارد، وسيناريو أبوالسعود الإبياري، وشارك في بطولته ليلى فوزي ومحمود المليجي وإسماعيل ياسين وحسن فايق وزينات صدقي، وتدور أحداثه في إطار كوميدي فانتازي حول رجل يطارده شبح زوجته المتوفاة، بعد زواجه من صديقتها.
وتحمّس المنتجون للتعاون مع المخرج الشاب، فأخرج الإمام عام 1948 «اليتيمتين»، وشهد أول بطولة سينمائية للفنانة فاتن حمامة مع ثريا حلمي ونجمة إبراهيم، وطرح العمل قضية اجتماعية بالغة الأهمية بتوثيقه مشكلة الأيتام، وكان سببًا رئيسًا في اهتمام الدولة المصرية ببناء دور للأيتام بعد نجاح الفيلم.
وفي السنة ذاتها، قدّم الإمام «الصيت والّا الغِنى» من تأليفه وإخراجه، وشارك في بطولته المطرب محمد عبدالمطلب وزوزو حمدي الحكيم وإسماعيل ياسين ونرجس شوقي ومحمود شكوكو.
«أهل الكهف» يثير الخلاف بين الإمام وعمر الشريف
ارتبط حسن الإمام بعلاقات جيدة مع زملائه الفنانين، لكن خلافه مع النجم العالمي عمر الشريف كان حديث الصحف المصرية والعربية، وبدأ بعد فكرة تحويل رواية أهل الكهف للأديب توفيق الحكيم لفيلم سينمائي يقوم ببطولته الشريف ويخرجه الإمام، ورفض الأول الفيلم، وقال في حواره مع جريدة الأخبار المصرية إن الإمام مخرج تقليدي، مما أثار غضب مخرج الروائع.
وبعث الإمام برسالة لعمر الشريف، نشرتها الصحيفة ذاتها عام 1982، قال فيها: «قرأت رأيك في الأخبار بأنك رفضت فيلم (أهل الكهف) لأنني مخرج تقليدي، أتحداك أن تكون قرأت سيناريو الفيلم، لأنه مكتوب بلغة عربية سليمة، وفكرتي في إسناد دور لك جاءت نتيجة للجدعنة والكرم المصري، فعند عودتك قلت لنفسي أن نقول لك أهلًا وسهلًا في بلد تركته أنت لتكون عالميًا، ولكنك مع الأسف، ولا شماتة، أصبحت عالميا في عالم الدعاية، وأخيرًا أقولها بصراحة أنت رفضت (أهل الكهف) لأنك خفت من إلقاء (العربية) أمام فطاحل مصرية، مثل محمود ياسين وعبدالله غيث وحمدي غيث وأي ممثل مصري، أما قولك إنني مخرج تقليدي فأنت تذكّرني بالماضي، يوم أن كنت أرفض وساطة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة لإسناد الأدوار إليك».
وتعثّر مشروع إخراج «أهل الكهف»، وأغلقت رسالة الإمام أبواب التصالح مع الشريف، وفشلت محاولات بعض الفنانين في تصفية الأجواء بينهما، رغم أن الاثنين يتمتعان بالنقاء والتسامح، وظلت العلاقة متوترة بين مخرج الروائع والنجم العالمي حتى النهاية.
الإمام يقدم صوت «العندليب» لأول مرة في فيلم بائعة الخبز
يعد الفنان عبدالحليم حافظ واحدًا من المطربين القلائل الذين حققوا شهرة كبيرة في مجال الغناء والتمثيل معًا، ويعتبر نجاحًا استثنائيًا حتى الآن، فلم يحظَ مطرب بمثل نجومية العندليب الأسمر في السينما، وكان منذ بداياته الفنية ينظر للسينما كمحطة مهمة في حياته، إضافة إلى مساهماته الإنتاجية من خلال شركة صوت الفن مع الموسيقار محمد عبدالوهاب.
وشهد «بائعة الخبز» (1954) التعاون الأول بين العندليب والمخرج حسن الإمام، والفيلم مقتبس عن رواية للكاتب الفرنسي كزافييه دومونتبان، وسيناريو وحوار السيد بدير، وشارك في بطولته زكي رستم وشادية وشكري سرحان وأمينة رزق وسليمان نجيب، ويحكي مأساة سيدة بعد رحيل زوجها.
وشارك عبدالحليم حافظ بصوته فقط خلال أحداث الفيلم، وقدّم عدة أغنيات تصف الأحداث، كتبها الشاعر فتحي قورة، ولحّنها الموسيقار محمود الشريف.
وبعد سنوات، التقى عبدالحليم والمخرج حسن الإمام في فيلم الخطايا (1962)، وشارك العندليب في بطولته مع نادية لطفي ومديحة يسري وحسن يوسف وعماد حمدي وفاخر فاخر، وتخلله بعض الأغنيات، منها «لست أدري» للشاعر إيليا أبوماضي وألحان محمد عبدالوهاب، و«مغرور» تأليف محمد حلاوة ولحن محمد الموجي، و«وحياة قلبي وأفراحه» تأليف فتحي قورة ولحن منير مراد.
ورغم نجاح «الخطايا»، توقف التعاون بين الإمام والعندليب، دون وجود خلافات شخصية بينهما، لكنّ التباعد حدث في ذلك التوقيت لانشغال الإمام بإخراج «ثلاثية محفوظ»، وارتباط عبدالحليم بحفلات غنائية وبطولة أفلام لمخرجين آخرين.