اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله.

يطلّ علينا شهر رمضان كل عام ضيفاً كريماً، يحمل في طيّاته نفحات الرحمة، ومواسم المغفرة، وأبوابًا مفتوحةً للعودة الصادقة إلى الله. هو ليس شهر صيامٍ فحسب، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، تُهذِّب النفس، وتُصفّي القلب، وتُعيد ترتيب الأولويات.

رمضان شهر الأمن الداخلي قبل أن يكون شهر الامتناع عن الطعام والشراب؛ فيه يهدأ صخب الروح، وتُكسر حدّة الشهوات، وتلين القلوب بعد قسوتها. حين نصوم، لا نصوم عن المأكل والمشرب فقط، بل نصوم عن الغيبة، وعن الغضب، وعن كل ما يُعكّر صفاء الروح. وكأن الصيام رسالة تقول لنا: أنت أقوى مما تظن، وقادر على ضبط نفسك متى ما استعنت بالله.

Ad

في ليالي رمضان، تتلألأ المساجد بالمصلين، وتتعالى تلاوات القرآن، فيعود الكتاب الكريم إلى مركز الحياة اليومية، ربما بعد أن شغلته عنّا هموم الدنيا. رمضان هو شهر القرآن، فيه نزل، وفيه تتجدد علاقتنا بكلام الله، تلاوةً وتدبرًا وعملاً.

كم من قلبٍ تغيّر في رمضان! وكم من دمعةٍ صادقةٍ مسحت ذنوب سنين!

كما أن رمضان شهر العطاء؛ تمتد فيه الأيادي بالصدقات، وتكثر موائد الإفطار، ويشعر الغني بحاجة الفقير، فيتحقق معنى التكافل الحقيقي. إنه شهر يُذكّرنا بأن الخير فينا لا يزال حيًا، يحتاج فقط إلى موسمٍ يُوقظه.

وعلى مستوى الأسرة، يجمع رمضان القلوب حول مائدة واحدة، ويُحيي عادات جميلة من الدعاء المشترك، وقيام الليل، والسحور الذي يحمل بركته الخاصة. في تلك اللحظات البسيطة تتشكل ذكريات لا تُنسى، وتترسخ قيم الإيمان في نفوس الأبناء.

رمضان فرصة سنوية لإعادة كتابة القصة؛ قصة التوبة، وقصة البداية الجديدة. فمن قصّر في عامه، فهذا أوان التعويض؛ ومن أثقلته الذنوب، فباب الرحمن مفتوح، ومن ضاقت به الدنيا، فليالي رمضان تُخبره أن الفرج قريب.

فلنستقبل هذا الشهر بقلبٍ سليم، ونيةٍ صادقة، وعزيمةٍ على التغيير. ولنجعل دعاءنا في مطلعه صادقًا نابضًا:

اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، واجعلنا فيه من المقبولين، وبلّغنا ليلة القدر، واكتب لنا فيه نصيبًا من كل خير.

دمتم بحفظ الله ورعايته.