لم يعد الجدل حول بعض القرارات التي تمس حياة المصريين العاملين بالخارج مجرد نقاش عابر، بل أصبح تعبيراً عن قلق حقيقي لدى شريحة واسعة اختارت الغربة طريقاً للعمل وتحمل المسؤولية، لا بحثاً عن رفاهية، بل سعياً وراء الاستقرار وتأمين مستقبل أسرها. المغترب المصري كان ولا يزال عنصراً أساسياً في دعم أسرته ووطنه، عبر عمل شاق وتحويلات مالية تمثل أحد أهم مصادر الاقتصاد، ومع ذلك، يجد كثيرون أنفسهم أمام قرارات مفاجئة تمس تفاصيل حياتهم اليومية، دون مراعاة كافية لطبيعة ظروفهم أو حجم التحديات التي يعيشونها خارج أوطانهم. القضية في جوهرها لا تتعلق برفض التنظيم أو الاعتراض على القوانين، فالمغترب بطبيعته أكثر الفئات التزاماً واحتراماً للأنظمة، بحكم تجربته في مجتمعات تقوم على الوضوح والانضباط، لكن الإشكال يظهر حين تتحول الإجراءات إلى عبء نفسي ومادي، أو حين يشعر الإنسان بأن حسن النية لا يقابله تفهم حقيقي لوضعه. وفي هذا السياق، تبرز بعض التفاصيل الإجرائية التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تمثل عبئاً حقيقياً على المغترب، ومن بينها الإجراءات الجمركية المرتبطة بالمقتنيات الشخصية عند العودة المؤقتة أو النهائية إلى الوطن، فالمغترب الذي أمضى سنوات في العمل خارج بلده تتراكم لديه بطبيعة الحال احتياجات شخصية، وقد يواجه أحياناً صعوبات غير متوقعة عند إدخالها، رغم أنها مخصصة للاستخدام الشخصي. وتبرز على وجه الخصوص قضية الإجراءات المتعلقة بالهواتف المحمولة، وهي مسألة اكتسبت أهمية متزايدة في ظل اعتماد الإنسان المعاصر على الهاتف كوسيلة أساسية للتواصل والعمل وإنجاز شؤون الحياة اليومية، فعندما يجد المغترب نفسه أمام رسوم أو إجراءات غير متوقعة عند إدخال هاتفه الشخصي، يشعر بأن تفاصيل حياته البسيطة أصبحت محل شك أو عبء إضافي، رغم أن الأمر لا يتجاوز وسيلة اتصال يستخدمها في عمله وحياته الخاصة. ولا شك إن تنظيم سوق الهواتف وحماية الاقتصاد هدف مشروع، لكن التعامل مع الهاتف الشخصي للمغترب بمنطق أكثر وضوحًا ومرونة، يحقق التوازن المطلوب بين حق الدولة في التنظيم، وحق الإنسان في الشعور بالأمان وعدم القلق عند عودته إلى وطنه. فالمصري العامل بالخارج يعيش التزاماً مزدوجاً، التزاماً بقوانين بلد الإقامة، والتزاماً معنوياً تجاه وطنه، وهو ما يستدعي مقاربة أكثر توازناً عند اتخاذ أي قرار يمسه. لذلك، فإن الشعور بالتقدير والطمأنينة يظل من أبسط ما ينتظره المغترب عند تعامله مع أي إجراءات تمس حياته، فاحترام كرامة الإنسان لا يتعارض مع تطبيق القوانين، بل يعزز الثقة ويدعم استمرارية العطاء. فالمغترب المصري لا يطلب امتيازات استثنائية، ولا يسعى إلى تجاوز القوانين، بل يبحث عن معادلة عادلة تقوم على الوضوح، والتقدير، والإنصاف، معادلة تعترف بأن الإنسان الذي ترك وطنه من أجل العمل، يستحق أن ينظر إليه كشريك في التنمية، لا كطرف يثقل كاهله بمزيد من الأعباء. وفي النهاية، يبقى المغترب شريكاً حقيقياً في مسيرة البناء، وقيمة مضافة لأي مجتمع ينتمي إليه، وإدارة القضايا المرتبطة به بحكمة ومرونة تعكس قدرة الدول على الجمع بين متطلبات التنظيم ومراعاة البعد الإنساني، وهي معادلة تعزز الاستقرار وتفتح آفاقاً أوسع للتعاون والتنمية.
مقالات - زوايا ورؤى
المغترب المصري... بين شقاء الغربة وقلق العودة إلى الوطن
19-02-2026