نشتري أشياء كثيرة دون أن نفكّر في معناها. فنجان قهوة في طريق العمل، وجبة سريعة أثناء الزحام، أو شطيرة نأكلها على عجل بين موعدين. نعرف أسعارها، نشتكي من غلائها أحياناً، ونقارن بينها بشكل عفوي: «هنا أرخص»، «هناك أغلى». لكننا نادراً ما نسأل: ماذا يقول هذا السعر عن المكان الذي نعيش فيه؟ اللافت أن بعض هذه الأشياء اليومية لا تعبّر فقط عن ذوقنا أو قدرتنا الشرائية، بل تحمل داخلها قصة اقتصادية كاملة. قصة عن الدخل، والتضخم، وقوة العملة، وتكلفة الحياة. أشياء نلمسها بأيدينا، لكنها تعكس أرقاماً أكبر بكثير من حجمها. أحياناً، أبسط التفاصيل تكون أكثر صدقاً من التقارير المعقّدة. وهنا تبدأ الحكاية: كيف يمكن لوجبة عادية أن تتحوّل إلى مرآة لاقتصاد دولة كاملة؟

في عام 1986، قدّمت مجلة The Economist فكرة ذكية وبسيطة أطلقت عليها اسم «Big Mac Index» الفكرة لم تكن نظرية معقّدة، بل محاولة لتبسيط مفهوم اقتصادي صعب يُعرف بـ «تعادل القوة الشرائية». بدلاً من مقارنة سلال استهلاكية طويلة ومعقّدة، اختارت المجلة منتجاً واحداً يُباع تقريباً بنفس المواصفات في معظم دول العالم. فإذا اختلف سعر هذه الشطيرة من دولة إلى أخرى، فإن هذا الفارق قد يعكس — بصورة مبسّطة — قوة العملة المحلية مقارنة بغيرها. المؤشر لا يدّعي الدقة المطلقة، لكنه يقدّم أداة ذكية لفهم الفوارق الاقتصادية بلغة يفهمها الجميع: وجبة واحدة، سعر واحد، وأسئلة كبيرة.

طريقة عمل المؤشر في غاية البساطة. لنفترض أن سعر الشطيرة في دولة ما يعادل خمسة دولارات، بينما في دولة أخرى يعادل دولارين فقط. نظرياً، إذا كانت العملات متعادلة في قوتها، يفترض أن يكون السعر متقارباً. عندما لا يحدث ذلك، يظهر الخلل. هذا الخلل لا يرتبط بالعملة وحدها، بل يعكس سلسلة كاملة من العوامل: تكلفة الأجور، والإيجارات، والطاقة، والضرائب، وحتى كفاءة سلاسل الإمداد. كأن هذه الشطيرة تختصر اقتصاداً مصغّراً داخلها؛ من يد العامل الذي حضّرها، إلى كلفة تشغيل المطعم، إلى مستوى الدخل العام في البلد. كل هذه التفاصيل تذوب في رقم واحد على لوحة الأسعار، فيصبح الرقم حكاية لا مجرّد قيمة نقدية. عند النظر إلى نتائج المؤشر حول العالم، تظهر مفارقات لافتة. دول ذات دخل مرتفع وأسعار عالية، وأخرى أقل دخلاً لكن تكاليفها اليومية منخفضة نسبياً. المؤشر لا يحكم على جودة الحياة، لكنه يسلّط الضوء على كلفة العيش بطريقة مباشرة وقريبة من الناس.

Ad

على الهامش: أعلن وكيل وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة الدكتور عادل الزامل عن توجه لإطلاق آلية لشراء الطاقة المنتجة من المنازل، وذلك في إطار دعم التحول نحو الطاقة المتجددة وتشجيع المواطنين على تركيب الألواح الشمسية على أسطح منازلهم.