منذ بدايات النهضة الحديثة في الكويت، شكَّل العمل التعاوني أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ففي عام 1962 تأسست جمعية كيفان التعاونية كأول جمعية تعاونية رسمية، تلتها جمعية الشامية التعاونية، لتبدأ مسيرة نظام فريد أصبح لاحقاً نموذجاً يُحتذى به.ورغم أن فكرة التعاونيات تعود إلى الأربعينيات، من خلال جمعيات مدرسية بسيطة، فإن التطوير الحقيقي جاء عبر أفكار استُحضرت من تجارب عالمية نقلها طلبة كويتيون مبتعثون، آمنوا بأن التعاون أساس التنمية، وتمَّت الاستعانة بهذه الأفكار، رغم أنها منتشرة ببعض الدول الاشتراكية، إلا أن الجمعيات التعاونية الكويتية تميَّزت بشكلٍ كبير، وبنظامٍ فريد، آنذاك. قامت الفكرة بدعمٍ حكومي، وتم منح الجمعيات أراضي حكومية، ومباني بسيطة، وبرؤوس أموال بسيطة، بهدف غير ربحي، وبهامش ربح محدود، مع إعادة جزء كبير من الأرباح للمساهمين، سواء على شكل توزيعات مالية، أو دعم للمدارس ومرافق المنطقة... الخ. وفي السنوات الأخيرة تمَّت إضافة السلال الرمضانية، ورحلات العُمرة الجماعية.والهدف الرئيسي للجمعيات التعاونية لم يكن تجارياً بحتاً، بل كانت «صانع سوق» للمواد الاستهلاكية، تُوازن الأسعار، وتحمي المستهلك من الارتفاعات غير المبررة، أو استغلال بعض الموردين. وجودها كان دائماً صمام أمان للأسعار، وركيزة للأمن الغذائي.لكن في السنوات الأخيرة، بدأنا نلاحظ انتعاش أسواق بديلة تقدِّم أحياناً أسعاراً أقل من الجمعيات، رغم ارتفاع تكاليفها التشغيلية من إيجارات وغيرها. هذا التحوُّل لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة ممارسات خاطئة قام بها قلة من الانتهازيين، الذين وصلوا إلى بعض مجالس الإدارات، فأساؤوا استخدام الأمانة الموكلة إليهم.حين يتسلل الجشع بسبب تلك الممارسات، يتم منح بعض الموردين امتيازات غير عادلة، وارتفعت أسعار بعض السلع، بل واحتُكرت أصناف معينة داخل بعض الجمعيات. في أحيانٍ كثيرة، يجد المساهم نوعاً واحداً من منتج أساسي، كالسكر أو المناديل أو بعض الخضار أو الفواكه، من دون وجود بديلٍ منافس، ما يضطره للشراء بسعر مبالغ به، رغماً عنه، لغياب المنافسة.ومع ذلك، يجب التأكيد أن هؤلاء قلة لا يمثلون جوهر العمل التعاوني. فالخلل لا يكمن في الفكرة، بل في سوء التطبيق. وهنا يأتي دور المساهم، الذي يملك سلاحاً مهماً، وهو صوته الانتخابي. فاختيار مجلس إدارة كفء ونزيه هو حجر الأساس في حماية الجمعية من الاستغلال. الصوت أمانة، ومنحُه لمن يستحق يُسهم في تطوير الجمعية، لا في استنزافها.ورغم ذلك يبقى النظام التعاوني الأهلي في الكويت نموذجاً مميزاً يُضرب به المثل إقليمياً وعالمياً. وقد أثبت جدارته، خصوصاً في الأزمات، وكان له دور بارز في تعزيز الأمن الغذائي خلال فترة الغزو العراقي للكويت، حيث واصلت بعض الجمعيات عملها لأشهر، رغم الظروف القاسية، لتكون شاهداً على قوة هذا النظام وتماسكه.والسؤال الأهم: ماذا لو لم تكن لدينا جمعيات تعاونية؟ كيف ستكون الأسعار في غياب هذا التوازن؟ ومَنْ سيحمي المستهلك من جشع السوق المفتوح؟رغم وجود قلة من اللصوص والانتهازيين الذين يسيئون للعمل التعاوني، تبقى الجمعيات التعاونية نعمة وطنية تستحق الإصلاح لا الهدم، والمحاسبة لا الإلغاء أو التغييرات الجوهرية، فالمشكلة في الأشخاص، لا في الفكرة، والحل في الوعي والتطوير الرقابي.
Ad