في إحدى الجلسات التدريبية، اقترب مني أحد المتدربين، بعد أن أنهينا مناقشة حول ثقافة المؤسسات في دولة الكويت، فقال: «دكتور، هل الولاء يصنع الرضا، أم أن الرضا هو الذي يصنع الولاء؟». ابتسمت، وقلت له بهدوء: «في المؤسسات الراشدة ذات النضج، لا أحدهما يسبق الآخر زمنياً، بل يتبادلان التغذية، فالرضا يزيد الولاء، والولاء يعطي الرضا معناه».
إن الولاء للمؤسسة أو المنظمة ليس مجرَّد بقاء وظيفي في نفس المؤسسة، بل هو اندماج وجداني وقيمي مع أهداف المؤسسة، واستعداد الموظف لبذل الجهد حتى في غياب الرقابة المباشرة من إدارة المؤسسة. أما الرضا الوظيفي، فهو حالة نفسية مركَّبة ومعقدة في نفس الموظف أو العامل، تتشكَّل غالباً من عدالة العائد أو الراتب أو الحوافز المادية وكذلك المعنوية، وأيضاً وضوح الدور المطلوب من جميع الأطراف، وكذلك صلاحية المناخ التنظيمي الذي يعمل فيه العاملون، والسعي من المؤسسة إلى إشباع الحاجات المهنية والإنسانية للموظفين، فعندما يتقدَّم الولاء على الرضا، فإن ذلك غالباً ما يعكس قوة البُعد القيمي أو الأخلاقي لدى القيادات.
فالتجربة الإدارية لدى المؤسسات الكويتية تُعلِّمنا أن المؤسسات العامة كثيراً ما تعتمد على الولاء أكثر من اعتمادها على الرضا، فالتاريخ المؤسسي يشرح لنا حدوث موجات إعادة الهيكلة الحديثة، ويبين أن تغيُّر السياسات أو تقلُّص المزايا قد يرفع منسوب الاستياء، ويُضعف الولاء تدريجياً، فالولاء الذي لا يجد ما يغذيه من عدالة ومشاركة وتقدير، قد يتحوَّل إلى التزامٍ بارد، ثم إلى بقاء اضطراري في المؤسسات.
تُوصي عديد من البحوث التي اطلعت عليها إلى إعادة النظر، بدايةً في سلم الرواتب والترقيات المادية والمعنوية، والأخذ بمقترحات المديرين ورؤساء الأقسام، وحتى صغار الموظفين، عند صياغة السياسات العامة للوزارات، وهي توصيات تبدو إجرائية، لكنها في جوهرها دعوة لإعادة التوازن بين المعنى والمصلحة وبين الانتماء والولاء كقيمة، والرضا كحاجة.
ففي المنظومات الحكومية الرشيدة، لا يُختبر الولاء في أوقات الاستقرار، بل في لحظات التحوُّل الصعبة، وإذا كان الرضا يعزز الالتزام الوظيفي، فإن الولاء يحمي المؤسسة في الأزمات الحرجة، ويبقى السؤال الأخلاقي التالي الذي يبقى مفتوحاً أمام صُنَّاع القرار، وهو: هل يجوز للمؤسسة أن تكتفي بولاء أفرادها الجبري من دون النظر إلى مدى رضاهم؟