في قلب مدينة العين، بجوار حصن سلطان التاريخي، تقف حكاية حضارية بدأت فصولها مع اكتشافات أثرية قادها الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، عام 1969، هناك كشفت الرمال عن دلائل تؤكد أن هذه الأرض احتضنت الوجود البشري منذ العصر الحجري القديم، لتصبح العين إحدى أقدم البيئات المأهولة في المنطقة، يحكي قصتها متحف العين، الذي يُعد على مر العقود مركزاً رئيسياً للمعرفة في دولة الإمارات.
يقع المتحف بمحاذاة واحة العين، رمز الحياة الأولى، حيث شكّل الماء والنخيل والزراعة أساس الاستقرار الإنساني عبر آلاف السنين، ولم يكن اختيار الموقع مصادفة، فقد أراد الشيخ زايد أن يُعرض التاريخ في بيئته الأصلية، وأن يبقى الماضي متجذرًا في المكان الذي شهد بدايات النهضة الحضارية للبلاد.
ومنذ اللحظة الأولى لدخول المتحف، يدرك الزائر أنه لا يقف أمام قاعات عرض تقليدية، بل أمام سردٍ متكاملٍ لمسيرة الإنسان في هذه الأرض، مدافن حجرية مهيبة، ونظام الأفلاج العريق، وأوانٍ فخارية، وحُليّ وأسلحة، جميعها تشهد على صمود مجتمع الواحة وإبداعه عبر العصور.
كما يسلّط قسم الإثنوغرافيا الضوء على تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع الإماراتي، من عادات وتقاليد وحِرف، في تأكيدٍ على أن الهوية الوطنية امتداد طبيعي لذلك التاريخ العميق.
ومع إعادة تطويره أخيرا، حافظ المتحف على مبناه الأصلي، مع إضافة مكتشفات أثرية جديدة، من بينها مدفن ضخم يعود إلى ما قبل الإسلام وأنظمة أفلاج مبكرة، مما يعزز مكانته كأحد أهم المعالم الثقافية في الدولة.
هنا، لا تُعرض القطع الأثرية فحسب، بل يُروى تاريخٌ طويلٌ ذهب أهله وبقي الأثر، ولقد كان اهتمام الشيخ زايد بالآثار جزءًا من رؤيته الأشمل للتنمية، فالحفاظ على التراث بالنسبة له لم يكن ترفًا ثقافيًا، بل ركيزة لبناء الإنسان وترسيخ الهوية الوطنية في ظل نهضة عمرانية متسارعة، ومن هنا جاء إنشاء المتحف ليكون شاهدًا على أن التنمية الحقيقية تنطلق من احترام الماضي وصونه للأجيال القادمة.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات، يبقى متحف العين مساحة للتأمل في جذور المكان، وتذكيرًا بأن الحضارات لا تُقاس بعمرانها الحديث فقط، بل بقدرتها على حفظ ذاكرتها وصون إرثها، ليظل الماضي حاضرًا في وجدان المستقبل.
تطوير المتحف
شهد متحف العين عملية إعادة تطوير شاملة أشرفت عليها شركة دباغ للعمارة، أسهمت في توسيع مساحته لتتجاوز 8.000 متر مربع، مع الإبقاء على المبنى الأصلي الذي أُنشئ عام 1969، ليظل عنصرًا أساسيًا في السردية المعمارية الجديدة، جامعًا بين الأصالة والتجديد.
وجاءت أعمال التطوير احتفاءً بإرث منطقة العين وصونًا لمكوناتها التاريخية، متضمنة أحدث المكتشفات الأثرية، ومجسّدةً الرؤية الثقافية للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، طيّب الله ثراه، في ربط التنمية بالحفاظ على الهوية.
ويقدّم المتحف اليوم تجربة معرفية متكاملة تمزج بين التراث والتصميم المعاصر، بما يتيح للزوار رحلة غامرة عبر تاريخ المنطقة وتقاليدها وتحولاتها الثقافية، مؤكدًا المكانة المحورية التي اضطلعت بها العين في تشكيل الهوية الوطنية لدولة الإمارات.
كما يضم المتحف مواقع أثرية جديدة اكتُشفت ضمن نطاقه، خضعت لأعمال تنقيب علمية دقيقة، وحُفظت بعناية لتكون جزءًا حيًا من مسار الزيارة، في تجربة تضع الزائر أمام الشواهد الأصلية للحضارة.
ويُبرز المتحف نظام الري التقليدي المعروف بـ «الأفلاج»، باعتباره ابتكارًا هندسيًا متقدماً مكّن المجتمعات القديمة من تحقيق استدامة زراعية، وأسهم في ترسيخ دعائم الاستقرار الدائم في منطقة العين.
إعادة افتتاح المتحف
أُعيد افتتاح متحف العين أمام الجمهور بعد استكمال أعمال التطوير والترميم الشاملة، وكانت الانطلاقة الرسمية في 24 أكتوبر 2025، إيذانًا بمرحلة جديدة في مسيرة أحد أعرق الصروح الثقافية في دولة الإمارات.
يحتضن متحف العين نحو 1800 قطعة أثرية، تعود أقدمها إلى نحو 300 ألف سنة، في دلالة واضحة على عمق الوجود البشري في المنطقة. ويُعد المتحف مركزًا حيويًا للتعلّم والبحث وحفظ التراث الثقافي، جامعًا بين العرض المتحفي والبعد العلمي.
وتتتبّع السردية المتحفية مسيرة الإنسان في العين عبر العصور، من خلال قطع أثرية تعود إلى مئات الآلاف من السنين، إلى جانب مقتنيات من الثقافة المادية تسلّط الضوء على عادات السكان وتقاليدهم، ومعارض تستكشف الإرث الحضاري الغني للمنطقة، وصولًا إلى العصر الحديث.
ويضم المتحف مرافق بحثية متخصصة تدعم أعمال التنقيب والدراسات المتعددة التخصصات وجهود الحفظ والصون، بما يسهم في تعميق الفهم العلمي للتطور التاريخي والثقافي لمنطقة العين ومحيطها.
كما يوفّر مساحة تعليمية مخصصة لورش العمل التفاعلية والأنشطة التطبيقية، تتيح للزوّار من مختلف الأعمار فرصة التفاعل المباشر مع الموروث الثقافي والتاريخي، في تجربة تعليمية ثرية.
وتتكامل تجربة الزيارة بوجود مقهى ومتجر ومكتبة قراءة، إلى جانب صالة للمعارض المؤقتة، بما يجعل من كل زيارة رحلة ثقافية متكاملة تجمع بين المعرفة والمتعة.
حصن سلطان... يعكس طبيعة العمارة الدفاعية والسكنية
يقع حصن سلطان ضمن نطاق متحف العين، عند الحافة الشرقية لواحة العين، بعد أن كان في السابق يتوسط القرية القديمة، المعروفة باسم «حارة الحصن»، حيث شكّل قلب الحياة الاجتماعية والإدارية في المنطقة.
شُيّد الحصن عام 1910 بأمر من الشيخ سلطان بن زايد، نجل الشيخ زايد الأول، الذي تولّى حكم إمارة أبوظبي بين عامي 1922 و1926، وقد مثّل الحصن آنذاك مركزًا للحكم والإدارة، إضافة إلى كونه مقرًا سكنيًا، بما يعكس طبيعة العمارة الدفاعية والسكنية في تلك المرحلة.
ويُعد حصن سلطان اليوم رمزاً بارزاً لتاريخ منطقة العين وتراثها المعماري الأصيل، إذ يشكّل عنصراً محورياً في هوية متحف العين، وشاهداً حياً على الدور الذي أدّته المنطقة في صياغة ملامح الحياة السياسية والاجتماعية عبر العقود، كما يجسّد الحصن الإرث الثقافي المتجذر للعين، ويعكس مكانتها كمركز حضاري وتاريخي في دولة الإمارات.
المكتشفات الأثرية في العين تعيد رسم خريطة الاستيطان البشري
لا تقتصر أهمية متحف العين على كونه ذاكرة محلية، بل يتجاوز ذلك ليشكل مرجعاً علمياً للباحثين في تاريخ شبه الجزيرة العربية، حيث أسهمت المكتشفات الأثرية في إعادة رسم خريطة الاستيطان البشري في المنطقة، وكشفت عن شبكات تواصل تجاري وثقافي ربطت «العين» بمحيطها الإقليمي منذ آلاف السنين، مما يعكس مكانتها كمحطة حضارية فاعلة لا مجرد واحة معزولة.
متحف العين يستضيف أمسيات «ليالي رمضان» الثقافية
يقدم متحف العين برنامج «ليالي رمضان» الثقافي طوال الشهر المبارك، وذلك خلال الفترة من 20 الجاري إلى 20 مارس المقبل، ويضم البرنامج أنشطة مسائية أسبوعية تحتفي بالتقاليد الإماراتية، وكرم الضيافة والتراث الثقافي غير المادي، في أجواء تاريخية مميزة.
وفي تعليقه على المبادرة، قال عمر الكعبي، مدير متحف العين: «يعكس برنامج ليالي رمضان التزامنا بتوفير مساحات ثقافية، لا تقتصر على حفظ التراث فحسب، بل على إحيائه ومشاركته، كما أن استضافة هذه الأمسيات خلف حصن سلطان تتيح لنا ربط قيم شهر رمضان بموقع يحمل دلالات تاريخية عميقة للمجتمع».
من جانبها، أوضحت رئيسة قسم التعليم والمشاركات المجتمعية في المتحف، د. خولة المري، النهج المتبع في إعداد البرنامج، قائلة: اخترنا كل عنصر من عناصر «ليالي رمضان» ليعكس روح الشهر الفضيل، إذ يوفر البرنامج لحظات من التواصل التي تجمع بين الأجيال وتحتفي بتراثنا الحي.