على غرار قول أهلنا في لبنان «حب مشَنْكَل»، أي متذبذب ومتصنع، فالترند اليمني كل يوم في اتجاه، مرة في اليمين، ومرة عكسه، ومرة مع الوحدة الوطنية، وأخرى مع التقسيم والتجزئة، وثالثة مع الفتن والمحن بمختلف أشكالها، ورابعة مع الانقلاب السـريع في كل شـيء، ليُخيل إليك بأنك تعيش الشـيء ونقيضه في آن واحد!، وكان السياسيون اليمنيون يتساقطون ليس كأوراق الخريف فحسب بل بسـرعة الماخ «الفوق صوتي»، فانكشفت أطماعهم وتعرت وتبدت مصالحهم، فظهر المزايد بالوطنية، والمنافق بالإنسانية، والمغالط للواقع وللتاريخ، كلهم ظهروا بوضوح وجلاء دونما غطاء، وفي الطريق ذاته جرف الفنانون والمؤثرون إلى وحل الغباء والبلاء، فكانوا الصّورة الأشد سواداً، مما جعل منهم ترندات سطاحة نطاحة، تجرّ معها كل الأخلاق والقيم والأعراف والتقاليد، لتعكس حالة من اللاوعي ومن الاضطراب السياسـي والفكري العميق.

وصحيحٌ أن منصات التواصل الاجتماعي في اليمن، كغيرها من البلدان العربية، تعدّ ساحة حرة لتبادل الآراء المتنوعة، ولكنها – هنا – تتغير من يوم لآخر، وربما في اليوم ذاته، وتنتقل من تطرف إلى تعصب إلى غلوّ وفحش كبيرين، دونما رادع أو وازع أو مذكر، فهي تكاد أن تكون مميزة لوحدها، وفريدة من نوعها، فالترند اليمني لا يقتصـر فقط على الفضاء الرقمي وينتهي، بل يشمل أيضاً التفاعلات الحية بين النّخب السياسية والجماهير الشعبوية، فبدلاً من أن يكون الحوار مبنياً على التفكير العميق، غالباً ما تتحول المواضيع إلى صـراع فوضويّ ومزايدات إعلامية تتحكم بها الهاشتاغات والحملات التي تروج لقضايا متناقضة، ليخلق هذا الأمر واقعاً متبايناً يجرّ البلد إلى دوامة النزاعات والصـراعات والحروب، وهذا ما حدث فيه، بل وإلى حدوث الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وهذا واقع البلد حالياً، فهذه الترندات والهاشتاغات والثورات تجعل المتابعين في حالة من الذهول، وفي حالة من الشك والحيرة، وبين فقدان الحاضـر والخوف من المستقبل، حتى أصبحنا لا نجد رؤية واضحة أو سياسة ثابتة تؤدي إلى قرارات حقيقية، بل تتبدل الأولويات والنقاشات السياسية مع كل يوم جديد، بل وتتبدل الشعارات الوطنية وفقاً لرغبات أمزجة مطلقي هذه الترندات.

وهنا يتبادر السّؤال: هل لهذه الترندات المصطنعة من تأثيرات حقيقية؟! والإجابة بالطبع: نعم، فهي تستخدم كأدوات للتمويه والتهرب من الحقائق السياسية، وكأدوات لتشكيل الرأي العام، بل وكجزء من اللّعبة الجيوسياسية، وهذه الأخيرة تتداخل فيها الأطراف السياسية اليمنية مع القوى الإقليمية والدّولية – وهذا واقع ما عاشه البلد منذ عام 2011م وحتى الآن – وبالتالي فتأثيرها أعظم وأفدح، وبالتحديد مع فئة الشباب الذين هم أكثر من يستخدم الإنترنت، وأيضاً هم الأسـرع في التّحوّل إلى أدوات صـراع، بل وهم القرابين التي تقدمها جميع الأطراف المتصارعة.

Ad

وفي الأخير... فالترند اليمني ليس مجرد قصة أو موضة أو حدثاً عابراً بل يعكس حالة من الفوضـى الفكرية في الأساس، والرقمية التي تعبر عن فشل في إدارة الأولويات السياسية والاجتماعية، وإذا ما أراد اليمنيون أن يتقدموا فعلاً نحو تطوير بلادهم، عليهم أن يتجاوزوا هذا النوع من التفكك المناطقي والترنح في الاتجاهات، وأن ينشئوا دولة تحفظ لهم مستقبلهم المنشود.