في الوقت الذي تصمُّ النخبة الغربية آذاننا بالحديث عن حقوق الإنسان والقيم الليبرالية والتحضر، تأتي الحقائق الصادمة لتكشف أن هذه «الأخلاقيات» ليست سوى واجهة برَّاقة تخفي خلفها ازدواجية معايير مخيفة.
نحن أمام نُخبة تنظر إلى بقية العالم- وخاصة أرواح أطفالنا- كأرقام قابلة للمحو، في سبيل مصالحها وساديّتها. إن الرأي المتداول أخيراً، والذي يربط بين فضائح «جزيرة إبستين» وما يحدث من إبادة جماعية في غزة، يضعنا أمام حقيقةٍ مُرَّة: نحن لا نواجه أخطاءً سياسية عابرة، بل نواجه «منظومة قيمية» منهارة يرى القائمون عليها أنفسهم كآلهة فوق القانون وفوق البشر.
أليستر كراولي: «قصر فيلية» وجذور السقوط
إن ما فعله جيفري إبستين ليس ابتكاراً جديداً، بل هو امتداد لجذور فكرية ونخبوية موغلة في القذارة. ففي عشرينيات القرن الماضي، برز اسم أليستر كراولي، الذي لم يكن مجرَّد ساحر غريب أطوار، بل كان جزءاً من نسيج نخبوي يحميه أصحاب نفوذ وبنوك وسياسيون.
في صقلية، أسس كراولي «قصر فيلية» (Abbey of Thelema)، وهو المكان الذي شهد ممارسات وأعمالاً بشعة فاقت في شذوذها ودمويتها ما كشفته لاحقاً جزيرة إبستين. كانت تلك الأعمال تُمارس تحت غطاء فلسفة «افعل ما شئت»، وهي ذاتها الفلسفة التي يتبناها المتنفذون اليوم لتبرير سحق الضعفاء.
ورغم أن الدكتاتور موسوليني طرده من إيطاليا بسبب شناعة أفعاله، فإن كراولي وجد ملاذاً آمناً في بريطانيا، حيث استمر في نشاطاته المحمية، بفضل شبكة علاقاته مع النخبة الحاكمة. كراولي يمثل «الروح المظلمة» التي تؤمن بأن الأخلاق والقوانين هي «قيود للرعاع» فقط، أما «النخبة المختارة» فلها الحق في انتهاك كل المحرمات، سواء في قصورهم السرية، أو في مستعمراتهم التي يبيدون سكانها.
جاك أبراموف: «شراء الدول» في حقبة بوش
وفي حقبة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، برز الوجه السياسي لهذه المنظومة، من خلال جاك أبراموف. هذا الرجل لم يكن مجرَّد «لوبيست» عادي، بل كان مهندس فساد استطاع «رشوة» أكثر من 30 قاضياً وعضواً في الكونغرس الأميركي، محولاً السياسة الدولية إلى سلعة تُباع وتُشترى.
أبراموف مارس أفعالاً لا تقل بشاعة عن إبستين، مستغلاً نفوذه في سحق الضعفاء وحقوق الشعوب والسيطرة على مقدَّراتهم، لكن بسبب غياب وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت، لم تأخذ قضيته الزخم الشعبي الذي تستحقه، وبقيت تفاصيلها مدفونة في أروقة المحاكم وتسويات الغرف المغلقة.
هذا الفساد المؤسسي هو الذي مهَّد الطريق لاحقاً لظهور شخصيات مثل إبستين، ولتمكين شركات تكنولوجيا الحرب من التحكم في مصائر البشر.
إن أبراموف وكراولي وإبستين ليسوا حالات شاذة، بل هم «تروس» في آلة واحدة تؤمن بأن المال والنفوذ يمنحان حصانة مطلقة لارتكاب أي جريمة، سواء كانت اتجاراً بالأطفال، أو إبادة شعب بأكمله.
أطفال تحت الطلب... وأطفال تحت الركام
الفكرة التي يطرحها الواقع اليوم صادمة بقدر ما هي واقعية، فذات النخبة التي تورَّطت في استغلال الأطفال بدم بارد خلف الأبواب المغلقة، هي ذاتها التي تشرعن اليوم قتل أكثر من 20 ألف طفل في غزة تحت ذريعة «أمن إسرائيل».
في الكويت، ونحن نتابع هذه الأحداث بقلوب يعتصرها الألم، نُدرك جيداً أن ما يسمَّى بـ «المجتمع الدولي» ليس إلا مسرحية كبرى. فالطفل في الغرب تُقام لأجله الدنيا إذا مُسَّت رفاهيته أو نهرته أمه، فيما الطفل في غزة يُقصف بآلات حرب ذكية، وبمباركة من شركات تكنولوجيا كبرى تحول القتل إلى «خوارزميات» آلية، وتعتبر إبادة المدنيين «واجباً حضارياً»، وحمايةً لأمن إسرائيل.
هؤلاء «التكنولوجيون» اليوم هم الأحفاد الروحيون لكراولي، والتلاميذ النجباء لمدرسة أبراموف في الفساد. إنهم يستخدمون «الذكاء الاصطناعي» ليس لتطوير البشرية، بل لأتمتة القتل وتبرير المجازر، تماماً كما كان كراولي يستخدم طقوسه لتبرير ساديته، وكما كان أبراموف يستخدم المال لشراء الصمت السياسي.
الاستعلاء الغربي وسقوط الأسطورة
إن المشكلة ليست في «وحوش» فردية، بل في «طبقة» عالمية تعتقد منذ عقود أن القواعد وُضعت للأضعف فقط. هؤلاء الذين يزورون «جزر المتعة» سراً، ويحمون ورثة كراولي وأبراموف، هم أنفسهم مَنْ يطلون علينا ليحاضروا في «الديموقراطية» وحقوق الإنسان.
الحقيقة التي تتردد أصداؤها في دواويننا بالكويت، هي أن غزة لم تكن انحرافاً عن القيم الغربية، بل كانت «النتيجة المنطقية» لسقوطها. فمن يستطيع أن يغض الطرف عن تجارة الأطفال في جزر خاصة، لن يرف له جفن وهو يرى أطفالاً يدفنون أحياء تحت ركام منازلهم من أجل تأمين مصالح نخبويّة حليفة.
كلمة أخيرة
لقد سقط القناع تماماً. إن «الأخلاقيات» التي يبشر بها الغرب هي «كلام في كلام» حين تصطدم بصخرة المصالح. ما كشفته ملفات إبستين هو الوجه القبيح السري، وما كشفه تاريخ كراولي وأبراموف هو الجذور العميقة لهذا الفساد. أما غزة، فهي الوجه القبيح العلني الذي يراه العالم أجمع. لقد انتهى زمن الانبهار بالنموذج الغربي، فنحن اليوم أمام نُخبة بلا روح، وقوة بلا أخلاق، وحضارة تقتات على دماء الأطفال، لتستمر في هيمنتها الزائفة.
يبقى السؤال: إلى متى سنظل ننتظر العدالة من قضاة هم أنفسهم جزء من شبكة أبراموف، أو من قادة يباركون القتل من قصور تشبه قصر «فيلية»؟
*وزير الصحة الأسبق