في مقال الأسبوع الماضي (الذكاء: مورّث أم مكتسب؟)، بينت أن الذكاء هو نتاج تفاعل دقيق بين الجينات والبيئة والتعليم والتجربة. 

قبل أيام قرأت خبراً لفت انتباهي في صحيفة ديلي ميل البريطانية، خُلاصته أن جيل Z هو أول جيل في التاريخ الحديث يسجل انخفاضاً في متوسط معدَّل الذكاء مقارنة بالأجيال السابقة. 

جيل Z هو مسمَّى يُطلق على الذين وُلدوا تقريباً بين عامَي 1997 و2012. هذا الجيل عاش عالماً أساسه الإنترنت والهواتف الذكية والمحتوى الرقمي الذي يتدفق بلا توقف. هو جيل نما في بيئة أصبحت الشاشات جزءاً أساسياً منه، في الفصول الدراسية، والترفيه، والتعليم، والتواصل الاجتماعي. 

Ad

الخبر أظهر أن الاتجاه التاريخي في ارتفاع متوسط معدَّلات الذكاء، الذي ظلَّ قائماً لعقود طويلة خلال القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين ضمن ما يُعرف بـ «تأثير فلين»، قد توقف في جيل Z، بل بدأ ينعكس في بعض المقاييس المعرفية، حيث تشير البيانات إلى انخفاضات في مجالات، مثل: الانتباه، والذاكرة، وفهم النصوص، والتفكير الرياضي، ومؤشر الذكاء العام، مقارنة بجيل الألفية الذي سبقهم. 

هذا الاتجاه في تغيُّر نتائج مقاييس الذكاء لا يمكن تفسيره «علمياً» بتغيُّر الجينات. فالتركيب الجيني للبشر لا يتغيَّر عبر جيلٍ واحد أو جيلين، بل يحتاج إلى فترات زمنية طويلة جداً، وبالتالي فإن أي تغيُّر ملحوظ خلال فترة قصيرة، كما نراه منذ نحو عام 2010، يجب البحث عنه في البيئة التي تفاعل معها جيل Z ونشأ داخلها. 

البيئة المعرفية لهذا الجيل تغيَّرت بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ الإنسان. نحن لا نتحدَّث فقط عن استخدام التكنولوجيا، بل عن انتقالٍ كامل في نمط التعلُّم والانتباه والمعالجة الذهنية: بيئة قائمة على الشاشات، والتدفق المستمر للمعلومات، والتنقل السريع بين المهام، والمكافآت الفورية. هذه البيئة لا تطلب من الدماغ تشغيلاً معرفياً عميقاً، أو تركيزاً طويل الأمد، بل تُكافئ السرعة والاستجابة اللحظية. 

الدماغ البشري يتطوَّر ويقوى وفقاً لما يُدرَّب عليه. مهارات مثل التفكير التحليلي العميق، والقراءة المتأنية، وحل المشكلات المعقدة، وبناء الحجج المنطقية، تحتاج إلى وقت، وصبر، واحتكاك ذهني طويل. وعندما تُصبح بيئة التعلُّم اليومية مبنية على الاستهلاك السريع للمعلومة، والانتقال المستمر بين الشاشات، فإن الشبكات العصبية المسؤولة عن هذه المهارات لا تحصل على التدريب الكافي لتعزيزها. 

أعتقد أن النتيجة المسجلة ليست «ضعفاً في الذكاء»، بل هي تغيُّر في نوع المهارات التي يتم صقلها مقابل أخرى يتم إهمالها. 

انخفاض بعض مؤشرات الذكاء المُقاسة لا يعني أن جيل Z أقل ذكاءً بشكلٍ مطلق، بل يعني أن مقاييسنا تلتقط نوعاً معيناً من القدرات المعرفية التي لم تعد البيئة الحديثة تشجع على تطويرها بنفس الطريقة التي كانت عليها في الأجيال السابقة. في المقابل، قد يتمتع هذا الجيل بقدرات أعلى في مجالات أخرى، مثل: التكيف السريع، والمعالجة المتوازية للمعلومات، والقدرة على العمل داخل أنظمة رقمية معقدة. 

العالم يتغيَّر بسرعة، ومعه تتغيَّر البيئات المعرفية التي ننمو ونتعلَّم داخلها، لذلك يجب أن تتغيَّر أيضاً مقاييس الذكاء، لتُلائم البيئة.