طالبنا على مدى ثلاثة عشر عاماً آخرها العام الماضي وأولها في 2013 في مقال، بأن «على الشؤون إجبار اللجان الخيرية على إعلان نسبة مصاريفها من الصدقات... ومنعها»، وذكرنا أنه ما إن تخرج أموال التبرعات من المتبرع تنقطع علاقته بها وتصبح في ذمة الجمعيات واللجان الخيرية وكالة عنه لتشرف عليها الدولة، ولذلك تعتبر أموالاً عامة تنطبق عليها جزاءاتها وفقاً لجرائمها، وهذا ما يجهل خطورته العاملون بالجمعيات واللجان الخيرية، وخصوصاً بعد صدور حكم بالقضية المشهورة التي سُجن فيها أشخاص للرشوة أحدهم وكيل وزارة.

وتساءلنا: كيف يحق لأغلبية الجمعيات واللجان استقطاع مصاريفها من الزكاة والصدقات لدفع رواتب موظفيها، مواطنين ووافدين؟ كما أجاز بعضها لأنفسها تفسير مصرف «في سبيل الله» بآية الزكاة بأنه لتمويل الحملات الانتخابية بمجلس الأمة! فحذرنا الدولة منهم بعدة مقالات: «بزكاتكم يموّلون مرشحيهم»، و«كذب جمعيات خيرية»، و«فاشينستات العمل الخيري».

ثم أوردنا فتاوى الأئمة وكبار العلماء بآية الزكاة وبالتحديد تفسير «وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا» بأنهم الذين يتولون جمعها وإحصاءها وتوزيعها على مستحقيها بتكليف من ولي الأمر، أي الحاكم، أما إذا كان موزع الزكاة هو المالك نفسه أو وكيله فيسقط حق «العاملين عليها»، والوكيل هنا هي الجمعيات الخيرية التي لا يحق لها نصيب العامل، وهو ما أكده فضيلة د. محمد الطبطبائي، بينما دأبت جمعيات خيرية، دون وجه حق ودون علم المتبرع، على استقطاع «الثمن» بما يعادل نسبة 12.5% من قيمة التبرعات على أساس أنه حقها، وقد تتضاعف هذه النسبة على نفس المشروع إذا ما تعاونت عليه أكثر من جمعية!

Ad

فأقمنا حملة قبل تسع سنوات عنوانها «لمزيد من الشفافية في الجمعيات الخيرية» وقّعها أكثر من خمسمئة شخصية وقدمناها لوزارة الشؤون لإجبار الجمعيات الخيرية على إعلان نسبة استقطاعها وأخذ موافقة المتبرع عليها، وعدم استقطاع أموال مجهول مصدرها، ونشر الميزانيات، وتقديم إقرار الذمة المالية للعاملين بالجمعيات، فتفاعلت لجنة الشؤون القانونية بمجلس الوزراء وحظرت على الجمعيات الخيرية أخذ نسبة من التبرعات فيما يخص الديات وتعويضاتها، ومنعتها من الاستقطاع لمصلحتها عندما ساهمت في توزيع صندوق دعم جائحة كورونا.

وبعد سنوات من المطالبة كان آخرها مايو 2025 أصدرت وزارة الشؤون لائحة في 29 يونيو الماضي تلزم الجمعيات واللجان الخيرية بعدة ضوابط، من أهمها مطالبتنا بإعلان نسبة الاستقطاعات وجاء نصها: «ضرورة تدوين النسبة الإدارية المستقطعة على كافة إعلانات المشاريع المرخصة»، غير أننا نلفت انتباه الوزارة إلى أنه بعد مراجعتنا لعدة مشاريع لدى أكبر الجمعيات الخيرية تبيّن عدم التزامها بتدوين النسبة الإدارية المستقطعة، والتي كانت أحد شروط الوزارة لعودة جمع التبرعات.

إن قيام جمعيات خيرية بإخفاء ما تستحوذ عليه من أموال المتبرعين، تحت بند "العاملين عليها" وبند "في سبيل الله"، دون علمهم ودون موافقتهم يعد استيلاءً على أموال لها طبيعة خاصة، شبيهة بالمال العام، وعليه نطالب وزارة الشؤون بإنزال أقصى عقوبة نظير عدم التزام تلك الجمعيات باشتراطاتها، كما نطالبها بتنفيذ التزاماتها التي أعلنتها بتصنيف تلك الجمعيات الخيرية بأنها غير ملتزمة، وتحظر عليها جمع التبرعات وتوفد فرق تفتيش ميدانية، وخصوصاً أننا مقبلون على شهر رمضان المبارك الذي يتطلب قمة الحوكمة والشفافية بجمع التبرعات.

***

إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.