بيانات الميزانية وعجزها ليسا مفاجأة، لأن الأوضاع التي أوصلت هذه البيانات إلى ما وصلت إليه كانت موجودة في رحم الميزانيات السابقة على شكل اختلالات هيكلية تكبر سنوياً، وحذّرنا منها في مواقفنا بمجلس الأمة وفي عشرات المقالات والمقابلات الإعلامية، وهذه الاختلالات هي:
1 - القدر الأكبر من إيرادات الميزانية هي من مصدر وحيد، أي النفط، وقد ينخفض أو يرتفع سعره دون أي إرادة منّا، بينما لم تتعدّ الإيرادات غير النفطية في السنوات السابقة 2.5 مليار، وزادت زيادة طفيفة في الميزانية الجديدة إلى 3 مليارات، وقد توقعت الميزانية الجديدة أن يكون متوسط سعر البرميل 57 دولاراً، أي بانخفاض عن السنة السابقة حوالي 10 دولارات، فمن الطبيعي أن تقل الإيرادات النفطية تبعاً لذلك ويرتفع العجز، لأن الميزانية لا تتعادل إلا إذا وصل سعر برميل النفط إلى أكثر من 90 دولاراً، وقد اقترضت الكويت حتى الآن 18 مليار دولار، ولا يخفى أن العجز والاقتراض إذا استمرا فسيكون فيهما تهديد لمستقبل الكويت وأجيالها.
2 - الحكومة هي الموظِّف شبه الوحيد للخريجين الشباب الذين يزدادون سنوياً، لذلك وضعت الحكومة حوالي 15 ألف وظيفة جديدة في الميزانية، فزاد بند الرواتب نحو 800 مليون دينار، علماً بأن عدد الخريجين سنوياً حوالي 25 ألفاً، وهو يفوق العدد الذي ستوظفه الحكومة في الميزانية، أما مساهمة القطاع الخاص في التوظيف فهي ضعيفة جداً، بسبب أوضاعه.
3 - التأمينات تطالب الحكومة بنحو 25 مليار دينار لسد العجز الاكتواري، فوضعت الحكومة حوالي 700 مليون في الميزانية لتقليل عجز التأمينات، مما زاد عجز الميزانية، وذلك إضافة إلى إحالة عدد كبير من الموظفين المنتجين والمهمين إلى التقاعد، في محاولة للتخلص من رواتبهم، بدلاً من إصلاح قانون التأمينات، فزادت العبء والعجز في التأمينات، مما يعني فشل سياسة التقاعد.
4 - زاد بند مصروفات الإنشاءات في الميزانية بنحو 700 مليون دينار دون إصدار أي بيانات عن الإيرادات التي ستحققها هذه المشاريع، ولا عن فرص العمل التي ستوفرها، مما أدى إلى زيادة العجز.
5 - زادت هذه الاختلالات وعظم دمارها القوانين الشعبوية السيئة التي اقترحتها مجالس الأمة، والتي أقرتها بعض الحكومات، والتي كان يهاجم من يحاول إيقافها أو ترشيدها.
الخلاصة أن خطر الاختلالات الاقتصادية والمالية قد حصحص الآن بانخفاض النفط، فلم يعد الركون إلى النفط كمصدر وحيد للدخل يحقق الأمن للمستقبل، وترامب يريد أن يوصله إلى 50 دولاراً للبرميل، والإخلالات الأخرى واضحة و»تطز» العين، كما نقول.
لذلك، فإن الإجراء الصحيح هو البدء فوراً بالإصلاح الاقتصادي من خلال خطة واضحة ومتدرجة يضعها فريق اقتصادي موثوق، بحيث تضمن التعامل العلمي مع هذه الأسباب الواقعية للعجز بإجراءات ومشروعات تنموية حقيقية مشتركة وخاصة، وليست إنشائية فقط، وإقامة قطاع خاص وطني كبير في جميع النشاطات الاقتصادية يضمن إيرادات ثابتة للدولة، مع توظيف للأعداد الكبيرة من الشباب، وتوفير كل أسباب النجاح لهذه المشروعات من الأراضي والإجراءات والدراسات الجادة لضمان نجاحها، وإصلاح التعليم وتحديثه وتنسيقه مع حاجة سوق العمل الحكومي والخاص، مع خطة إعلامية حديثة وناجحة تضمن الدعم الشعبي لهذه الخطة.