«نتفق أن الماضي لا يموت أبداً، انه ليس ماضياً أبداً... تي إس اليوت يقول: المستقبل مضمن في الزمن الماضي، حياتنا لا تتكشف عبر الزمن فحسب، بل نحن من نقودها خلاله، نشكلها ككل ممتد، نتذكر الماضي ونتفاعل معه، نتوقع المستقبل ونخطط له ونصنعه. أن تعيش حياة يعني أن تكون دائماً على دراية بأن الحاضر المتحرك متأصل في تاريخ ممتد، مما يساعد في تحديد ما يفعله المرء أو يشعر به الآن».

كانت تلك فقرة من مقال طويل كتبه الفيلسوف توماس نيجل بعنوان «الآن وفيما بعد» ونشره في دورية «لندن رفيو أوف بوكس». يعرض في المقال لكتاب نشر حديثاً لصموئيل شيفر الذي يعيد تأويل الفلسفات الشرقية التي تحث الإنسان كي يكون سعيداً ألا يكون مرتبطاً ومتعلقاً بهموم مشاغل الحياة اليومية، وعليه أن يفك قيوده منها. شيفر يرى عدم الارتباط لا يعني تناسي هموم ومشاكل الآخرين، فمثل هذا قد يبدو نوعاً من الأنانية حين يتمحور البشر على ذواتهم كي يعيشوا فقط في اللحظة الحاضرة... «ناو» فقط.   ويري هذا الكاتب أن الاهتمام والتفاعل مع الآخرين وهمومهم وفرحهم هو لب الإنسانية، وهذا ما يعني أن تحيا لحظة الحاضر.

لكن هل مثل هذا الرأي مقبول ومعقول في كل مكان وزمان؟ هل الحاضر الذي يمضي محدقاً بعينيه للمستقبل بينما عيناه في قفاه تنظر الماضي أفضل؟! في العالم الغربي والأميركي تحديداً يطلقون على الذين ولدوا بعد الحرب الثانية حتى منتصف الستينيات تقريباً «بيبي بومر»، ولعله كان أسعد الأجيال، فالاقتصاد كان في أوج عظمته في الرخاء والرفاهية حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي ثم بدأ التدهور. في دولنا ماضينا أفضل من حاضرنا في الحريات والتقدم، تحدث استثناءات هنا وهناك، لكن لم يكن الاستبداد السياسي وهضم حريات الإنسان متوغلاً كما هو حادث الآن، إذا كانت هناك «لحظات ليبرالية» في الحريات، فإنها سرعان ما أخذت تتلاشى مع الزمن حتى وصلنا لحاضرنا التعيس، ولا ندري عن الغد، فأقدارنا ليست ملكنا كما يجب أن تكون هي تحت مطارقهم يتلاعبون بها كما يشاؤون.

Ad