في عالمٍ يزدحم بالأصوات، وتتزاحم فيه الكلمات كما تتزاحم الأمواج على شاطئٍ ضيّق، ينسى الإنسان حقيقة بسيطة: أن أكثر ما يؤذيه ليس ما يُقال له، بل كيف يتلقّاه. فالجرح يأتي من الداخل... من ردّ الفعل لا من الفعل. لطالما ظنّ الناس أن القوة في الحدة، وفي الردّ السريع، وفي الانفعال دفاعاً عن النفس. لكن الحقيقة – التي لا تكتشفها إلا بعد تجارب كثيرة – أن القوة الحقيقية هي ألا تُستفزّ.
القوة أن تجلس على مقعد هادئ داخل نفسك، تنظر إلى ما يحدث من حولك بعينٍ باردة وذهنٍ صافٍ، كأنك تشاهد فيلماً لا بطولة لك فيه. الكلمات التي تؤذيك هي تلك التي منحتها أنت سلطاناً عليك. ولو نزعت هذا السلطان، صارت مجرد هواء... صوت عابر... لا يستحق أن يعلق بروحك ولا بثقلك.
الإنسان الذي يتحكم فيه غضبه، أو يجرّه انفعاله، يصبح مِلكاً لكل من يتقن الضغط على أزراره. كلمة واحدة تكفي لتغيير مزاجه، توجيهه، أو حتى جرحه. وهذا نوع من العبودية النفسية لا يشعر بها الكثيرون. أما من اختار أن يتنفس... ويترك ما لا يستحق... فهو إنسان اختار الحرية. حرية من تأثير الآخرين، ومن ضجيجهم، ومن محاولاتهم لجرّك إلى معاركهم الصغيرة.
في مسرح الحياة، ستسمع دائماً من يرفع صوته ليضغط عليك، ومن ينتقد ليُسقط نقصه عليك، ومن يتربص ليفتح فيك ثغرة. لكن لا شيء يُربك خصمك كما يفعل اتزانك. فالسكينة تربك. والصمت يربك. والابتسامة التي تأتي في الوقت الخطأ بالنسبة لهم... تربك أكثر. كل مرة تختار فيها ألا تنفعل، فأنت تقول لنفسك: «أنا أكبر من الموقف... وأكبر ممن قاله... وأكبر من أن أسمح له بأن يعيش في رأسي مجاناً».
في عالم سريع، متوتر، منفعل... اختر أنت أن تكون الاستثناء. اختر أن تتنفس بدل أن ترد. وأن تعبر بدل أن تحتفظ. وأن تترك الأشياء تموت في مكانها بدل أن تعيش في داخلك. فليس كل ما يلمع يستحق الانبهار، وليس كل ما يُقال يستحق الانتباه، وليس كل ما يصل إلى أذنك يستحق أن يصل إلى قلبك. تنفّس... ودَع ما لا يستحقّ يذهب. فلا شيء أثمن من اتزانك، ولا أحد يستحق أن يفقدك. دمتم بود.