الخطاب الذي ألقاه سمو رئيس الوزراء الشيخ أحمد العبدالله بالقمة العالمية للحكومات في دبي اتسم بالواقعية، حيث أشار إلى التحديات الراهنة التي تشهدها المنطقة على المستوى الأمني والسياسي والاقتصادي، وأكد أن دولة الكويت معنية وتقع ضمن دائرة تلك التحديات.

سموه أكد أيضاً أن رؤية الكويت ليست بالكافية إن لم تتزامن مع الإنجاز، كما أن حكومته منفتحة على العالم وتستفيد من التجارب الناجحة، وأن هذه القمة «مختبر للأفكار» و«ورشة لصناعة الحلول»، وأن حكومته تتبنى منظومة شاملة ضمن هذا الإطار لتصنع التغيير والحلول المناسبة.

دولة الكويت عانت كثيراً من التوقف الطويل لأسباب يعرفها القاصي والداني، والإصلاح ليس بصياغة الرؤى أو من خلال برامج العمل، بل بتحويلها إلى قرارات نافذة، واستخدام أدوات يمكن قياس أثرها ضمن مؤشرات الجودة، تخضع للحوكمة لمنع الارتداد إلى البيروقراطية أو أي حسابات أخرى تعطّل التنفيذ.

Ad

ما لفت انتباهي أيضاً في خطاب سموه ليس بتشخيصه لواقع الحال، بقدر التفاؤل نحو المستقبل من خلال توظيف مفردة «الجرأة» التي غابت عن المشهد التنموي في الكويت لسنوات طويلة.

الجرأة عنوان مهم في عالم الاقتصاد وفي اقتناص الفرص، وهذا لا يعني المقامرة، بل من خلال تهيئة المناخ المناسب لاتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة نحو سرعة التنفيذ والإنجاز مع التأكيد على التقيد بمفهوم الحوكمة، ولعل مفردة الجرأة من أهم المفردات التي أضيفت لقاموس القمة، لذلك أخذت بعداً وقيمة مضافة، وقد يكون من المناسب إضافة كلمة المدروسة للجرأة (وهذه من عندي)، كي يستقيم المعنى مع الغاية، وألا يكون للجرأة غير المدروسة ثمن عكسي مضاعف على مسارات التنمية في المستقبل.

بكل تأكيد التعقيدات والأزمات والحسابات الإقليمية والمحلية لها دور في تقليص الفرص الاستثمارية والاقتصادية، لكن كل هذا ليس بالعذر الكافي لتبرير حالة الوقوف بالماضي، لكنه نوع من التصالح في اغتنام واقتناص الفرص والمضي قدماً في تنفيذ المشاريع التنموية ضمن مفهوم التنافسية التكاملية.

على سبيل المثال ميناء مبارك بوابة مهمة ليس للكويت فقط بل للمنطقة بأسرها باعتباره نهاية مشروع الحزام والطريق للصين بمنطقة الشرق الأوسط، فضلا عن كون استهدافاته تختلف عن الاستهدافات التي تقوم عليها بقية موانئ الخليج العربي.

رغم الإشادة بالرغبة الجادة التي عبر عنها سمو رئيس الوزراء لإحداث نقلة إدارية ومالية، فإن التقييم الموضوعي يحتم وضع هذه الرغبة في إطارها الواقعي، فبينما يمكن تسجيل تقدم ملموس على صعيد التحول الرقمي وتقديم الخدمات الإلكترونية، تبرز فجوة واضحة عند الانتقال إلى ملفات الاقتصاد والتنمية ومؤشراتها، كما أن التحدي الأكبر قد لا يكمن في صحة الرؤية أو ببرامج العمل الحكومي، بل في قدرة الأجهزة التنفيذية المتفاوتة المستوى على استيعابها وترجمتها إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطن وعلى جودة المؤشرات وعلى الاقتصاد الوطني.

ودمتم سالمين