رغم ما تحمله موازنة 2026–2027 من مؤشرات رقمية لافتة، فإن القراءة التحليلية المتأنية تكشف عن جملة من نقاط الضعف والتحفّظات التي لا تقل أهمية عن الأرقام نفسها، فالموازنات لا تُقاس بحجمها فقط، بل بجودة فرضياتها، ووضوح أولوياتها، وقدرتها على تحويل الإنفاق إلى أثر تنموي ملموس.
الحديث عن قفزة في الإنفاق الرأسمالي بنسبة تقارب 37 في المئة يثير اهتماماً مشروعاً، لكنه يظل حديثاً ناقصاً ما لم يُستكمل بالإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة المشاريع التي ستُموَّل: هل هي مشاريع إنتاجية، أم خدمية، أم بنية تحتية تقليدية؟ وما نسبة المشاريع الجديدة مقارنة بالمشاريع المتعثرة أو المؤجلة؟ والأهم، ما الأثر الاقتصادي المتوقع لكل دينار يُنفق؟ فالإنفاق الرأسمالي ليس فضيلة بحد ذاته، بل قد يتحول إلى عبء مالي إذا لم يُوجَّه إلى مشاريع ذات مردود اقتصادي واجتماعي واضح، أو إذا اصطدم بضعف التنفيذ وطول دورات الإنجاز.
وتُظهر القراءة المتداولة للموازنة تحفّظاً غير مباشر تجاه كفاءة الصرف العام، إلا أن هذا التحفّظ لم يُدعَّم بمؤشرات أداء واضحة، مثل نسب إنجاز المشاريع السابقة، أو معدلات التأخير والتكلفة الإضافية، أو مقارنة الاعتمادات السابقة بالمخرجات الفعلية. وغياب هذه المؤشرات يضع القارئ بين احتمالين متناقضين: إما أن الإنفاق السابق كان غير كفؤ، أو أن النقد موجَّه بالانطباع لا بالدليل. وفي الحالتين، تبقى المشكلة قائمة، إذ لا تتوافر شفافية كافية لربط المال العام بالنتائج.
ورغم الإشادة بتحقيق رقم قياسي في الإيرادات غير النفطية، فإن التحليل توقف عند الرقم ولم يتجاوزه. فالسؤال الأهم هنا ليس كم بلغت الإيرادات، بل من أين جاءت؟ وهل هي ناتجة عن نشاط اقتصادي حقيقي؟ أم نتيجة رسوم وغرامات وتسويات استثنائية؟ وهل يمكن تكرارها في السنوات القادمة؟ فالتمييز بين الإيرادات المستدامة والإيرادات الظرفية مسألة حاسمة، لأن الاعتماد على الثانية في تمويل مصروفات دائمة يمثل مخاطرة مالية مؤجلة.
وفي ملف العجز، تبدو القراءة أقرب إلى التحفظ منها إلى التحليل. فقد عُرض العجز المالي كرقم متوقع، لكنه قُدّم بصورة جامدة، دون اختبار حساسيته تجاه المتغيرات الأساسية، وعلى رأسها سعر النفط، ووتيرة تنفيذ المشاريع، وتطور الإيرادات غير النفطية. وفي ظل اقتصاد يعتمد بشكل جوهري على مورد متقلب، يصبح من الضروري تقديم سيناريوهات بديلة، لا الاكتفاء برقم واحد قد يوحي بالاستقرار بينما الواقع أكثر هشاشة.
ويبقى أحد أبرز التحفّظات أن الموازنة قُرئت كوثيقة مالية أكثر من كونها أداة تنموية. فلم يُناقش أثرها المتوقع على التوظيف، أو الإنتاج الصناعي، أو مشاركة القطاع الخاص، أو تحسين تنافسية الاقتصاد. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين موازنة إنفاق وموازنة تنمية.
خلاصة القول أن نقاط الضعف في قراءة موازنة 2026–2027 لا تكمن في الأرقام، بل في ما لم يُحلَّل خلف هذه الأرقام. فغياب التحليل النوعي، وضعف تفكيك مصادر الإيرادات، وغياب السيناريوهات، تجعل القراءة أقرب إلى وصف مالي منها إلى تقييم اقتصادي استراتيجي. المطلوب مستقبلاً ليس فقط موازنات أكبر، بل موازنات أذكى... تُقاس بقدرتها على تحويل المال العام إلى قيمة مضافة حقيقية ومستدامة.
فالأرقام قد تُرضي الحسابات، لكن الذكاء المالي وحده هو ما يصنع التنمية.