يمكن اختصار مضمون زيارة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري إلى بيروت، في ذكرى اغتيال والده، رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وفحوى الخطاب الذي ألقاه بالمناسبة، بأنها عودة مقررة تنتظر اختيار التوقيت والشكل والكيفية.
فأمام حضور شعبي كبير، شدد الحريري، في كلمته من ساحة الشهداء، حيث ضريح والده، على «أننا لا ننكسر، لأن مشروعنا، مشروع رفيق الحريري رؤية وإيمان بأن لبنان ينهض مهما وقع».
وتوجه إلى أنصار «تيار المستقبل» بالقول: «بعد 21 سنة وبعد كل الشائعات والتهويل والتلفيق، لستم أقليةً. تحت الشتاء أيضاً لن تكونوا إلا كثراً، لأننا والحق أكثرية». وأضاف: «أنتم صمام الأمان في هذا البلد والرقم الصعب».
وأوضح الحريري، الذي يقيم خارج لبنان، أنّه «عندما بات المطلوب أن نغطي الفشل ونساوم على الدولة، قلنا لا وقررنا الابتعاد، لكننا موجودون ونعيش همومكم»، مشدداً على أنّه «لا يضيّع البوصلة، ولا يبيع، ولا يشتري، ولا يتاجر بالناس»، وأضاف: «نحن نعرف متى ننتظر ومتى نتحمل المسؤولية، ونعرف أن الحريرية الوطنية تأخذ مسافةً، وتأخذ استراحة محارب، لكنها لا تنكسر ولا تندثر. وكثير من الذين راهنوا على كسر الحريرية، انكسروا».
وتابع: «هكذا علمنا رفيق الحريري، وهكذا سنبقى، لا نغير جلدنا ولا ننكر المعروف والجميل، مهما قست علينا الظروف وظلم ذوي القربى. لأننا لا نبيع مواقف، والأهم لا نشتري مواقف ولا مناصب، لا في سوق السياسة ولا في سوق الحديد».
وشدد الحريري على أنّه «منذ اتفق كل اللبنانيين وأنهوا الحرب، بفضل اتفاق الطائف، وتعهدوا بتطبيقه، كل فريق سياسي يأخذ جانباً من هذا الاتفاق ويطالب به. والنتيجة: لا الطائف يُطبَّق ولا أزماتنا تنتهي»، لافتاً إلى أنّ «تطبيق الطائف كاملاً يعني لا سلاح إلا بيد الدولة ولا مركزية إدارية وإلغاء الطائفية وإنشاء مجلس الشيوخ».
وأوضح أنّ «الحريرية كانت دائماً وستبقى داعمة لكل تقارب عربي، وطاردة لكل خلاف عربي»، مضيفاً: «نريد نسج أفضل العلاقات مع العرب بدءاً من سورية الجديدة التي تخلصت من نظام الإجرام ويقودها الرئيس السوري أحمد الشرع ونحن نشد على يده».
وتابع: «منذ سنة، في الذكرى العشرين، قلت لكم إن تيار رفيق الحريري، تيار المستقبل، سيكون صوتكم في الاستحقاقات الوطنية، وأهم هذه الاستحقاقات، وأولها الانتخابات النيابية. الآن كل البلد لديه سؤالان: هل ستجرى الانتخابات؟ وماذا سيفعل المستقبل؟ وأنا لدي جواب واحد: قولوا لي متى الانتخابات، لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل، لكني أعدكم، متى حصلت الانتخابات سيسمعون أصواتنا، وسيعدون أصواتنا».
وجاء تشكيك الحريري بإجراء الانتخابات في موعدها، في وقت تسعى دول عدة، بينها مصر وفرنسا، وجهات لبنانية، للعمل على توفير ظروف العودة السياسية للحريري، أو بالحد الأدنى الوصول إلى رفع جزئي للفيتو المفروض على «المستقبل»، لخوض الانتخابات بمرشحين غير حزبيين تسمح له بتشكيل كتلة نيابية تتراوح ما بين 9 و12 نائباً.
وحسب مراقبين، فإن العنوان الرئيسي لهذا التحرك ينبع من هواجس خصوصاً لدى القاهرة وباريس من أن يؤدي تشرذم سنّة لبنان إلى توسيع مدى نفوذ وتأثير القيادة السورية الجديدة على الساحة السنية اللبنانية.
أما حديث الحريري عن تطبيق اتفاق الطائف كاملاً، لما في ذلك إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس الشيوخ، وإشارته إلى إسقاط أي مشروع من مشاريع التقسيم أو الفدرالية والحفاظ على لبنان الواحد الموحد، فهو ليس مجرد تمسك بالمدرسة السياسية الحريرية، بل يتقاطع مع المرحلة الجديدة في المنطقة، وهو ما جرى تطبيقه إلى حد بعيد في سورية، حيث دفعت القوى الدولية باتجاه الحفاظ على وحدتها واستقرارها.