أعلنت الكاتبة الهندية الحائزة العديد من الجوائز، أرونداتي روي، انسحابها من مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ 76، بسبب تعليقات رئيس لجنة التحكيم فيم فيندرز، التي قال فيها إن السينما يجب أن «تبقى بعيدة عن السياسة» عندما سُئل عن غزة.

وقالت روي، في بيان صحافي، إنها «صُدمت واشمأزت» من إجابات فيندرز وأعضاء آخرين في لجنة التحكيم عن سؤال حول القطاع الفلسطيني في مؤتمر صحافي الخميس الماضي.

وأُعلنت أرونداتي، التي فازت روايتها (ذي غود أوف سمال ثينغز) بجائزة بوكر عام 1997، ضيفة في المهرجان لتقديم نسخة مرممة من فيلم «إن ويتش آني غيفز إت ذوز وانز» لعام 1989، الذي أدت فيه دور البطولة، وكتبت السيناريو الخاص به.

Ad

لكنها قالت إن التصريحات «غير المعقولة» التي أدلى بها فيندرز وأعضاء آخرون في لجنة التحكيم دفعتها إلى إعادة النظر في الأمر «مع أسف عميق».

فعندما سُئل فيندرز عن دعم ألمانيا لإسرائيل في مؤتمر صحافي، الخميس، أجاب: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة»، واصفاً صُنَّاع الأفلام بأنهم «الثقل الموازن للسياسة».

وقالت المنتجة البولندية إيفا بوشتشينسكا، وهي عضو في لجنة التحكيم: «من غير العدل بعض الشيء» التوقع من هيئة المحلفين اتخاذ موقف مباشر بشأن هذه القضية.

وذكرت روي، في بيانها، أن «سماعهم يقولون إن الفن ينبغي ألا يكون سياسياً يُعد أمراً مستغرباً».

وتابعت: «ما حدث في غزة، وما زال يحدث هناك، هو إبادة جماعية للشعب الفلسطيني ترتكبها إسرائيل. إذا لم يستطع أعظم المخرجين والفنانين في عصرنا أن يقفوا ويقولوا ذلك، فليعلموا أن التاريخ سيُحاسبهم».

وتُعد روي من أشهر المؤلفين الأحياء في الهند، وهي منتقدة لحكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وهي داعمة قوية للقضية الفلسطينية.

كما أكد مهرجان برلين السينمائي الدولي سحب نسختين مرممتين من فيلمَي «أغنية توحة الحزينة» للمخرجة المصرية الراحلة عطيات الأبنودي، و«انتزاع الكهرمان» للمخرج السوداني الراحل حسين شريف.

وأوضح «سيماتيك- مركز الفيلم البديل» في القاهرة، و«عائلتا» المخرجَين في بيان مشترك على «فيسبوك»، أن هذا القرار «جاء استجابة للدعوة التي وجهتها مؤسسة الفيلم الفلسطيني لصُنَّاع السينما بمقاطعة المهرجان».

عن تلك الانسحابات، قالت إدارة المهرجان، أمس الأول، إنها «تحترم هذه القرارات»، و«تأسف لعدم مشاركتها الأفلام، لأن وجودها كان سيثري المهرجان».

لم يتوقف زلزال الانسحابات عند أرونداتي روي، بل امتد ليشمل الطليعة من صُنَّاع الأفلام العرب والفلسطينيين، الذين اعتبروا أن لغة التوازن هي في الحقيقة انحياز للصمت. واتساقاً مع ذلك، أعلن عدد من المخرجين الفلسطينيين المشاركين في أقسام المنتدى (Forum) والبانوراما (Panorama) سحب أفلامهم، احتجاجاً على فشل المهرجان في توفير مساحة حُرة للتعبير عن معاناتهم، وانضم إليهم مخرجون من مصر ولبنان والأردن. وأكد المخرجون المنسحبون، في بيانات متلاحقة، أن المناخ في برلين أصبح خانقاً، ولا يسمح بتعاون ثقافي حقيقي.

وتزامن ذلك مع تحرُّكات نشطة لحركة «سترايك جيرماني (Strike Germany)»، التي دعت المبدعين الدوليين إلى مقاطعة المؤسسات الثقافية الألمانية، مما أدى إلى انسحاب فنانين من أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، وسحب أعمالهم من المعارض الجانبية للمهرجان، مثل المنتدى الموسع.

هذا الضغط الجماعي تمدَّد ليصل إلى سوق الفيلم الأوروبي (European Film Market)- الجناح التجاري الضخم لمهرجان برلين، حيث أغلقت شركات توزيع مستقلة منصاتها، وألغت اجتماعاتها، احتجاجاً على خطاب الإدارة، مما أصاب الحركة التجارية للمهرجان بشللٍ جزئي.

وضعت الانسحابات مهرجان برلين في مأزق غير مسبوق، فالمهرجان الذي يفتخر بكونه بيت السينما السياسية وصوت الشعوب المقهورة، يواجه اليوم أزمة شرعية حادة، إذ فقد في يومه الأول ثقة أهم رموزه من الفنانين الملتزمين لمصلحة الحفاظ على علاقة هادئة مع الممولين والسياسة الرسمية الألمانية.

كشفت غزة في اليوم الأول لمهرجان برلين عن أن الصمت في مدينة مثل برلين ليس حياداً، بل هو موقف سياسي بحد ذاته يُسمع ضجيجه في كل أنحاء العالم، لتظل الأسئلة معلَّقة حول قدرة المهرجان على استعادة مصداقية مهدورة تحت وطأة الحسابات السياسية والرقابة الضمنية.

وهذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها المهرجان جدلاً بسبب حرب غزة. ففي عام 2024، ذهبت جائزة الفيلم الوثائقي للمهرجان إلى فيلم «لا أرض أخرى»، الذي يتناول تهجير إسرائيل للمجتمعات الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة.

وانتقد مسؤولون حكوميون ألمان تصريحات «أحادية الجانب» حول غزة أدلى بها مخرجو ذلك الفيلم وآخرون في احتفال توزيع الجوائز في ذلك العام.

واندلعت الحرب في قطاع غزة عقب هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، الذي أسفر عن مقتل 1221 شخصاً.

وأسفرت الحرب الإسرائيلية على غزة عن مقتل 71 ألف شخص على الأقل، وفقاً لوزارة الصحة في القطاع الذي تُديره «حماس»، والتي تعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.