«خَابَ قَوْمٌ لا سَفِيهَ لَهُم»، وقد يقال أيضاً: «ذلَّ قَوْمٌ لا سَفِيهَ لَهُم»، وهو قول عربي قديم قد يدعو إلى الاستهجان، فكيف يُذَل القوم إذا لم يكن لهم سفيه؟ إنه قول لا يستقيم وعقل من لم يفهم المقصود منه، ولكن عندما يقال: «لا بد للناس من سفيهٍ يذودُ عنهم»، عندها تبدو واقعية ذلك القول الغريب.

مَثَلُنا هذا ينسب للأحنف بن قيس، سيد بني تميم وأحد حكماء العرب، قاله عندما كان يوماً جالساً، فجاءه أحد سفهاء قومه وتطاول عليه، فسكت عنه، فسُئِلَ في ذلك، فقال: «خَابَ قَوْمٌ لا سَفِيهَ لَهُمْ»، وقاله أيضاً معاوية بن أبي سفيان عندما كان جالساً وحوله بعض أشراف العرب، فجرى ذكر الحلم والسفه، فقال: «ذلَّ مَن لا سفيهَ له»، والواضح أن أبا سفيان، المعروف عنه الدهاء، قاله نقلاً عن الأحنف المعروف عنه الحلم، فقد كان معاصراً له، أما مطرف بن الشخير، أحد التابعين، فقال: «لأن يكون لي سفيهٌ يردُّ عني، أحبُّ إليَّ من أن يكون لي حليمٌ يوافقني».

إنها أقوال اختلفت في صيغتها واتفقت على وجود سفيه بين القوم ليذود عنهم وقت الحاجة، ففائدته تبرز عندما يتواجه قوم مع سفهاء فيقوم سفيههم بدور «المصدّ» الذي يحميهم من النزول إلى مستوى لا يليق بهم، وقد يَحطّ من قدرهم.

Ad

وحصل أن اعتلج فتية من بني تميم، أي تصارعوا، والأحنف بن قيس ينظر إليهم، فقالت عجوز منهم: ما لكم أقَلَّ اللَّه عددكم؟ فقال لها الأحنف: مَه، أي اصمتي، لولا هؤلاء لكنا سفهاء، أي أنهم سفهاء يدفعون عنا السفهاء، وهذا تماماً ما قصده الأحنف في قوله: «خَابَ قَوْمٌ لا سَفِيهَ لَهُمْ»، ولكن لا يجب أن يفهم من ذلك القول أنه مدح للسفهاء، فهم ليسوا إلا درعاً يستعان بهم لردع سفهاء مثلهم، فالشافعي نفسه الذي قال: «لا بأس بالفقيه أن يكون معه سفيه يُسَافِه به»، حذّر منهم قائلاً:

يُخَاطِبُني السَّفِيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ 

فَأَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ لَهُ مُجِيبَا

يَزِيدُ سَفَاهَةً فَأَزِيدُ حِلْماً 

كَعُودٍ زَادَهُ الإِحْرَاقُ طِيبَا

وهو الذي قال:

إِذا نَطَقَ السَفيهُ فَلا تَجِبهُ 

 فَخَيرٌ مِن إِجابَتِهِ السُكوتُ

فَإِن كَلَّمتَهُ فَرَّجتَ عَنهُ 

 وَإِن خَلَّيتَهُ كَمَداً يَموتُ

النبي ﷺ قال محذراً من السفهاء: «سيأتي على الناس سنواتٌ خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة»، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه، أي السفيه، يتكلم في أمر العامة».

فالسفيه خفيف العقل سيئ التدبير، يفسد في ماله، وهو بذيء اللسان دون حساب لعواقب ما يقول، وفي المنظور الشرعي هو من لا يُحسن التصرف، ويميل إلى الطيش، ولذلك شرّع الإسلام الحجر على ماله حمايةً له ولورثته.

أبعد الله عنا السفهاء، ولا أحوجنا إليهم لندرأ بهم من على شاكلتهم، فما أكثرهم!